- الأهالي - https://www.hashd-ahali.org/main/weekly -

فكّر بغيرك، إغاثة أهلنا اللاجئين من سورية… بقلم – ريما كتانة نزال

لا يستطيع الفلسطيني أن يقف متفرجاً وهو يشاهد ويسمع ويراقب مأساة تبدو كأنها بلا نهاية، وليس أمام الضمائر الحيّة أن ترتاح دون التضامن ومدّ يد العوْن ولو عن بعد، لشعبنا اللاجئ الذي يعيش نكبة الشعب السوري. ومن هنا، وبحس عالٍ بالمسؤولية، تضافرت الجهود الخيِّرة لتمكين الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية في إطلاق الحملة الشعبية لإغاثتهم. فكما يُقال، “حنّ الحديد على حاله” في الزمن العربي الرديء، وفي واقع اختلاط الأوراق العربية وهبوط القيم التي يصعب حتى على آلات الحاسوب الذكية أن تتفق على تحليل واحد لتداعياتها.
في سورية، يتوزع الفلسطينيون اللاجئون على أربعة عشر مخيماً، ويتمددون إلى عديد التجمعات السكنية السورية في دمشق العاصمة على وجه الخصوص. فقد استمرت أعداد اللاجئين الفلسطينيين فيها بالتزايد سواء بسبب النمو الطبيعي، أو بسبب هجرة أفواج جديدة من الفلسطينيين. لقد استقبلت سورية أعداداً مهاجرة متتالية، من لبنان والأردن والعراق والكويت، بعد اجتياحات وأزمات وصراعات حصلت، كالاجتياحات الإسرائيلية على لبنان أو حروبها الأهلية، أو في أعقاب وتداعيات حرب الخليج الأولى والثانية، وبالنتيجة تعدى عدد اللاجئين الفلسطينيين في سورية الأربعمائة ألف نسمة.
لا حاجة لإثبات أن شعبنا الفلسطيني في مخيمات سورية قدم أرواحه وأمواله للقضية الفلسطينية، وأعلم أن حملات جمع التبرعات في مخيماتنا هناك كانت تحظى بالتجاوب الشعبي والسخاء الذي لا يمكن أن نتوقف عند قيمته المادية، بل يُقدَّر بوحدة والتحام الفلسطينيين مع بعضهم، وتداعيهم للتضامن والتكاتف في المحن كجسد واحد. ولا حاجة كذلك، إلى البرهنة على حجم التضحيات وعدد الشهداء من الفلسطينيين السوريين في معارك الدفاع عن الثورة والشعب، في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المستهدفة القضاء على الثورة وتصفية القضية، وهذا ما تشهد عليه مقابر الشهداء في مخيم اليرموك وباقي المخيمات في القطر السوري.
فلسطينيونا في سورية الآن في محنة، فهم منكوبون في أرواحهم وممتلكاتهم واستقرارهم، ومهدَّدون في كل لحظة على جميع الصعد. تركوا بيوتهم وشقاء عمرهم بحثاً عن سقف يؤويهم ويحميهم من حرب لم يشهدوا قسوة تعادلها في كل الحروب التي مرت على رؤوسهم. خرجوا ليعيشوا هجرة قاسية جديدة، قوافل أخرى من “البقج” والحقائب والمفاتيح تتوزع على الأماكن التي وصلت إليها أقدامهم، وما بين دول مغلقة الأبواب وأخرى توارب نوافذها، كانت البوابة اللبنانية الأكثر تمريراً لأجسادنا التالية للهجرة الداخلية بين المدن السورية.
في لبنان، الحال صعب أصلاً، والمتاح من الحقوق يمر من خرم قطارة. فكيف بالحال لدى استقباله خمسين ألف لاجئ جديد خرجوا مُعدَمين إلى مخيمات فقيرة ومحرومة، فهناك حرمان من حق العمل وبطالة مرتفعة، بيوت تضيق بأهلها وتفتح أذرعها لاستقبال الأقارب، ليصبح عدد أفراد الغرفة الواحدة عشرة.
الاحتياجات كثيرة، الإيواء أولاً، فالسكن مع الأقارب بدأ يخلق التوترات الاجتماعية، والعمل الشحيح مدخل للاستغلال في الأجور وعمالة الأطفال ضمن القوانين الجائرة التي لا تسمح بمزاولة جميع المهن المتاحة. ولن أتجاوز على احتياجات الطبابة والعلاج والرعاية الصحية والتعليم. اللاجئون من سورية يتدفقون في كل يوم يشرق، ومعهم تزداد إلحاحية توفير المساعدات العاجلة والمربكة لحظة الوصول، من فراش وأغطية وأدوات منزلية وطبابة وملابس وأغذية.
وفي بعدٍ مهم آخر ذي طبيعة سياسية، تُنتهج سياسة تمييزية إزاء اللاجئين الفلسطينيين من سورية، والظلم موصول للاجئين الأصليين في مخيمات لبنان، فجلّ الخدمات والمساعدات المقدمة من الدولة تذهب للاجئين السوريين الذين من حقهم الحصول عليها. كما أن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين تعتبر نفسها مسؤولة عن اللاجئين السوريين، فتدعم إيواءهم وتقدم الطبابة والاستشفاء ومواد الإغاثة الضرورية. بينما وكالة الغوث للاجئين الفلسطينيين “الأونروا” تقوم بالحد الأدنى لواجباتها اتجاه اللاجئين القادمين من سورية، وفي الوقت الذي تقلص مساعداتها للاجئين الفلسطينيين في لبنان.
الحملة الإغاثية ذات بعد شعبي تطوعي، لكنها لا تستثني من اعتباراتها الإشكاليات الموضوعية الأخرى، وعلى الأخص معالجة القضايا ذات الطبيعة السياسية مع الدولة اللبنانية، وكذلك مع وكالة الغوث، فالحملة لن يكون بمقدورها حل الإشكاليات المالية لصعوبة استمرار جمع التبرعات في الحالة الفلسطينية. وما دام الصراع مستمراً، فلا بد من تأكيد مسؤولية الجهات المرجعية ممثلة بمسؤولية منظمة التحرير في علاجها.
وأخيراً، مبادرة الاتحاد العام للمرأة بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والمنظمات الشعبية والنسوية إغاثية الأبعاد، لكنها لا تحيِّد الوجوه الاستنهاضية الأخرى للحملة، في إعلاء شأن قيمة تلاحم الشعب الفلسطيني في جميع أماكنه ووحدة قضيته الوطنية ووحدة جرحه ومصابه وانتصاراته ومشاعره. وهو الأمر الذي على مؤسساتنا وفصائلنا رؤيته بوضوح والتفاعل مع الحملة لتكون ذات جدوى ومنفعة.