- الأهالي - https://www.hashd-ahali.org/main/weekly -

بناء المؤسسات المدنية في مرحلة تشكيل الدولة

الاهالي ـ أقامت الجامعة الاردنية ندوة دولية بمناسبة مئوية الدولة الاردنية وذلك بتاريخ ٢٠ / ١٠ / ٢٠٢١. وقد شمل برنامج الندوة ابحاثاً ومداخلات قيمة وثمينة، وجميعها على تماس مع مراحل التطور التاريخي منذ نشوء امارة شرق الاردن عام ١٩٢١.
الرفيقة عبلة ابو علبة الامين الاول لحزب الشعب الديمقراطي الاردني حشد قدمت ورقة تحت عنوان:ـ “بناء المؤسسات المدنية في مرحلة تشكيل الدولة”
نعرض فيما يلي ملخصاً لها :ـ
في البدء لا بد من تسجيل الملاحظات الأربعة التالية:
اولاً : لم يحظ التاريخ الاجتماعي في الأردن بأهمية التوثيق والرصد التي حظي بها تاريخه السياسي. مع العلم أن رصد التحولات الاجتماعية يشكل عنصراً أساسياً في التاريخ السياسي الذي استحوذ على النصيب الأعظم من الجهد الكبير الذي قام به مؤرخونا الجديرون، وعليه فقد وجدت أثناء البحث عن مراجع كتابين اثنين وبعض الفقرات في كتب اخرى في سياقات سياسية مختلفة.
ثانياً: منذ بدء تشكل امارة شرق الأردن سنة ١٩٢١، انتظمت بتسارع شديد وملفت حركة بناء المؤسسات السياسية والاجتماعية، وذلك بالتوازي مع النهوض الواسع لقطاعات الاقتصاد والادارة والصحة والتعليم. وقد كان لهذه المؤسسات دور كبير في تشكيل معالم الأردن الحديث وتجسيد هويته وتعزيز استقلاله الوطني.
ثالثاً : لم يكن التاريخ يوماً منقطعاً عن ماضيه،ولا عن محيطه ايضاً، لذلك فإن المتتبع لبرامج المؤسسات ودورها السياسي والاجتماعي وخطابها، لا بد وأن يلحظ درجة التأثر والتواصل مع مجريات الصراع في المحيط العربي والاقليم، ثم الدور الوطني الكبير الذي حملته على عاتقها للتصدي للتهديدات الوجودي، المتمثلة بالمشروع الصهيوني واتفاقات سايكس بيكو والمشاريع الاستعمارية الكبرى في المنطقة.
رابعاً : حسب التسلسل الزمني، فقد بدأت أولى هذه المؤسسات بالتشكل في اواخر العهد العثماني وعلى اساس قانون البلديات الذي أقر عام ١٨٦٧:
١ ـ المجالس البلدية : تأسست أولى المجالس البلدية في قضاء عجلون عام ١٨٨٢ ثم في الكرك عام ١٨95 وثالثاً في معان عام ١٨٩٨ .
وقد استمر العمل وفق هذا القانون حتى عام ١٩٢٥، أي بداية عهد الامارة، حيث توسعت المجالس البلدية ، حسب نص القانون الذي يقضي بإمكانية تأسيس مجلس بلدي في كل منطقة يزيد عدد سكانها عن سبعة آلاف نسمة. تولت المجالس البلدية صلاحيات تنظيم الاراضي والابنية ومهام اخرى تتعلق بالصحة ومساعدة الفقراء.
إن اهمية التجربة الاولى في حياة الامارة الاردنية تأتي كونها تأسست على اجراء الانتخابات وتعزيز دور الأهالي في الادارة المحلية.
٢ ـ المجالس التشريعية والنيابية : تشكل أول مجلس تشريعي على اساس الانتخاب عام ١٩٢٩، وبين اعوام ١٩٢٩ ـ ١٩٤٧ تشكلت خمسة مجالس تشريعية. المجلس الخامس والاخير هو الذي أقر دستوراً جديداً للبلاد، حل محل القانون الاساسي الصادر عام ١٩٢٨. وقد كان ملاحظاً أن قوى سياسية عديدة ومتنوعة قد شاركت في الترشيح والانتخاب، وأسس ذلك لنضوج احزاب وتيارات سياسية خاضت انتخابات المجالس النيابية التي تشكلت بعد اعلان الاستقلال عام ١٩٤٦ والمتتبع لقرارات هذه المجالس لا بد وأن يلحظ حجم الصراع الذي خاضته القوى الوطنية ورموزها داخل البرلمان ضد المعاهدة البريطانيةالاردنية وضد كل اشكال العسف ومصادرة الحريات، كما اظهرت القرارات درجة عالية من المسؤولية القومية تجاه القضية الوطنية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني.
٣ ـ الاحزاب السياسية : بدأ نشوء احزاب سياسية ذات طابع عربي بين اعوام ١٩٢١ ـ ١٩٢٦، وبعد زوال الحكم العثماني مباشرة، حيث نشأت احزاب : الاستقلال العربي، العهد العربي، الشرق العربي ، وضباط شرق الأردن.
ـ عام ١٩٢٧ نشأ أول حزب اردني تحت مسمى حزب الشعب الاردني، ثم توالى نشوء احزاب سياسية ذات اتجاهات متعددة بين اعوام ١٩٢٧ ـ ١٩٤٦ حيث سجل التاريخ نشوء ١٤ حزباً اردنياً في تلك الفترة.
الاحزاب المشار اليها عززت مكانة الزعامات التقليدية، في الوقت الذي افتقرت فيه الى وجود قاعدة اجتماعية منظمة ومسيسة مرتبطة بها، لذلك كان من السهل اندثارها وحلول احزاب اخرى محلها في فترات زمنية لاحقة، أهم ما انجزته هذه الاحزاب بقيادة حزب الشعب الاردني، هو إنشاء مرجعية وطنية للمعارضة تمثلت في عقد المؤتمرات الوطنية الستة بين اعوام ١٩٢٨ ـ ١٩٣٣. نتائج وقرارات المؤتمرات تشير إلى الجمع بين البعدين الوطني والقومي، بدءاً من التصدي للمعاهدة البريطانية والمشروع الصهيوني وانتهاء بوضع حلول للأزمات الاقتصادية الحادة التي كانت تمر بها البلاد بسبب ما عرف بسنوات القحط.
منذ عام ١٩٤٦ بدأت الاحزاب العقائدية بالنشوء: الاخوان المسلمين، البعث العربي الاشتراكي ، القوميين العرب، والشيوعيين. كان لهذه الاحزاب دور هام جداً في مسيرة البناء السياسي للدولة الاردنية وتمكنت عام ١٩٥٦ من الهيمنة على مقاعد البرلمان (الاربعين)، وتشكيل اول حكومة برلمانية برئاسة سليمان النابلسي.
٤ ـ النقابات المهنية : تشكلت اول نقابة مهنية عام ١٩٤٤ وهي نقابة الاطباء والصيادلة، وقد تواكب نشوء النقابات المهنية مع حالة التطور الاقتصادي في البلاد، أذ تشكلت ١١ نقابة مهنية متخصصة بين اعوام ١٩٥٠ ـ ١٩٧٣، وشهدت تلك الفترة توسعاً ملحوظاً لفئات الطبقة الوسطى في مجالات الطب، الهندسة، الصيدلة، الزراعة ، التعليم، .. الخ.
كان للنقابات المهنية ولا زال دور أساسي في الحياة السياسية والتنظيم الاجتماعي والمهني خصوصاً في الفترة ما بين ١٩٥٧ ـ ١٩٨٩، حيث فرضت الاحكام العرفية التي حظرت الاحزاب السياسية. كما شهد القطاع المهني نهوضاً كبيراًً سياسياً واقتصادياً في تلك المرحلة وخصوصاً فترة السبعينات بسبب الطفرة النفطية وأثرها على ارتفاع دخول الافراد والقطاعات.
٥ ـ النقابات العمالية : بعد أن أقر دستور عام ١٩٥٢ حق التنظيم النقابي سجلت عشر ١٠ نقابات عمالية عام ١٩٥٤، كان من بينها : البناء، الخياطة، كهرباء القدس، بلدية القدس، الاحذية والدخان والفوسفات وتأسس الاتحاد العام لنقابات العمال في نفس العام ١٩٥٤.
بلغ مجموع النقابات العمالية ٣٩ نقابة و يعتبر ذلك مؤشراً على نهوض قطاعات اقتصادية متنوعة، والنزوع نحو تنظيم المهنة والدفاع عن الحقوق المطلبية.
ولكن الملفت للنظر أن ليس من بين هذه النقابات جميعها نقابة لعمال الزراعة هذا مع الانتباه للأهمية الفائقة لقطاع الزراعة في رفد الدخل القومي الاجمالي.
ولعل تفسير ذلك يعود الى ان السياسات الرسمية تجاه هذا القطاع لم تكن مستقرة وثابتة في اية مرحلة من المراحل، لا بل تراجع الناتج القومي الاجمالي من الزراعة في المراحل الزمنية والتاريخية التي مر بها الأردن.
٦ ـ المؤسسات الثقافية : تأسست دار الندوة الادبية عام ١٩٤٦ وعصبة الشباب الاردني المثقف عام ١٩٤٩ والمنتدى العربي في اوائل الخمسينات، كما تأسس نادي الفحيص الثقافي عام ١٩٤٩.
كان لهذه المؤسسات دور كبير في تطور الحياة الثقافية والسياسية الاردنية وشهدت اروقتها ابداعات لقامات كبيرة مثل مصطفى وهبي التل ، ناصر الدين الاسد، عبد الحليم عباس، محمد اديب العامري، آمال نفاع، نبيه ارشيدات .. وكثيرين غيرهم.
٧ ـ المؤسسات المهنية الاخرى تأسست أيضاً غرف التجارة والصناعة في نفس الفترة التي شهدت نهوضاً اقتصاديا: تجاريا وصناعياً.
٨ ـ الحركة النسائية الاردنية : بدأت مشاركتها المنتظمة من خلال الاتحاد النسائي العربي العام سنة ١٩٤٤ عندما عقد أول مؤتمر عربي نسائي في القاهرة برئاسة د. هدى شعراوي وبحضور ستة وفود نسائية عربية. ترأست الراحلة المحامية املي بشارات الوفد الاردني آنذاك. الا ان اول اتحاد نسائي تأسس كان عام ١٩٥٤ واستمر لثلاث سنوات فقط حيث تم حظر العمل به جنباً إلى جنب مع الاحزاب الوطنية الاردنية عام ١٩٥٧.
أعيد تأسيس الاتحاد عام ١٩٧٤ في سياق ظروف دولية ومحلية، واستمر الاتحاد في عمله إلى يومنا هذا.
الحركة النسائية الاردنية كان ولا زال لها دور مؤثر في الحركة الجماهيرية الاردنية وفي الحياةالعامة.
ختاماً كان للمؤسسات المدنية في الدولة الاردنية دور كبير في النهوض بأوضاعها الاجتماعية والثقافية والسياسية. وقد أدت هذا الدور بكفاءة عالية كوسيط بين فئات المجتمع ومؤسسات الدولة الرسمية، وكانت ايضاً شاهداً حياً على نهوض الطبقة الوسطى وثقل وزنها في بناء الاستقلال الوطني والشخصية الوطنية الاردنية.