- الأهالي - https://www.hashd-ahali.org/main/weekly -

انهيار “العدالة والتنمية” المغـــــربي .. محاولة للفهم والتفسير

محمد أحمد بنّيس/كاتب مغربي

لم يكن أحد يتصوّر، في المغرب وخارجه، انهيار حزب العدالة والتنمية بالطريقة الدراماتيكية في الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية التي جرت في 8 سبتمبر/ أيلول الجاري. ولا مبالغة في القول إن ما حدث زلزال انتخابي وسياسي، ستكون له تداعياته، ليس فقط على الحزب، بل أيضا على المشهد السياسي. وهو ما يتطلّب تنويعا في المداخل الكفيلة بفهم هذا الحدث، وتفسير أسبابه المختلفة. وعلى الرغم من وجاهة ما يقال بشأن تقليديةِ البنية السياسية المغربية، وتحكّم السلطة في العملية الانتخابية، ودورِ شبكات الأعيان والرأسمال في تشكيل مساحة واسعة من نتائج الانتخابات التشريعية والمحلية، إلا أن من الصعب الاقتصار على ذلك، فقط، في تفسير الكابوس الذي عاشه الحزب الإسلامي ليلة الخميس المنصرم، ذلك أن تراجعه من المرتبة الأولى التي نالها في اقتراعيْ 2011 (107 مقاعد)، و2016 (125 مقعدا)، إلى المرتبة الثامنة في اقتراع 2021 (13 مقعدا)، يفرض التوسّل بمداخل تفسيرية وتحليلية مختلفة، توخيا لفهمٍ أعمق لهذا الحدث.
جاء ملف التطبيع مع إسرائيل ليجد حزب العدالة والتنمية نفسه في قلب فضيحةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ كلفته غاليا في هذا الصدد، كانت نتائج الانتخابات النقابية (انتخاب ممثلي الموظفين في اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء) والمهنية أخيرا مؤشّرا دالا على تآكل القاعدة الاجتماعية لحزب العدالة والتنمية، على اعتبار أن الفئات المعنية بهذه الانتخابات تمثل عصب الطبقة الوسطى في المغرب. وإذا كان بعضهم، حينها، قد استبعد أن تكون هذه النتائج مقدّمة لتراجع الحزب فيما ينتظره من استحقاقات، فقد أكّدت الانتكاسة المدوّية التي مني بها الحزب في الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية تنامي أهمية هذه الطبقة في صياغة المشهد الانتخابي والحزبي، على الرغم من أن ذلك ما يزال في حاجة لأبحاث ميدانية، للوقوف على حدوده وعلاقته بالبنية التقليدية للدولة والمجتمع. وبالربط بين نتائج الانتخابات النقابية والمهنية والتشريعية والجماعية والجهوية، يبدو واضحا أن هذه الطبقة كانت مصرّة على إسقاط الحزب، وإزاحته من صدارة المشهد السياسي التي احتلها عقدا. يتعلق الأمر، إذن، بتصويت عقابي، عبّرت من خلاله هذه الطبقة عن سخطها وغضبها من السياسات التي نفذتها الحكومتان (هل ساهمتا حقا في بلورة هذه السياسات وإعدادها؟) اللتان قادهما الحزب لولايتين متتاليتين، سيما في ما له صلة بإصلاح صناديق التقاعد وصندوق المقاصّة، ومكافحة الفساد، وإصلاح الإدارة والقضاء وتعزيز الحقوق والحريات. وتحيل الشراسة، التي عوقب بها الحزب، إلى إخفاقه في إدارة التناقض بين مرجعيته الإسلامية وبراغماتيته التي لم تتوان قياداته في التعبير عنها وتبريرها. وقد برز ذلك، بشكل أكثر دلالة، في القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي الذي أقرَّ ‘’فرنسة التعليم’’، وتقنين زراعة القنب الهندي. وجاء ملف التطبيع مع إسرائيل ليجد الحزب نفسه في قلب فضيحةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ كلفته غاليا. صحيحٌ أنه كان جزءا من ائتلاف حكومي واسع، ومن غير الإنصاف تحميله وحده، من دون الأحزاب الأخرى، أوزار هذه السياسات، إلا أن الثقافة السياسية التقليدية السائدة في المغرب ما تزال محدّدا أساسيا في بناء المواقف والسلوك السياسي، بحيث يصعب النظر إلى حصيلة الحكومتين، من دون ربطها بالحزب الذي قادهما عشر سنوات. يتعلق الأمر بتوترٍ مزمن بين موارد التقليد والحداثة، يخترق الدولة والمجتمع معا، ويوجّه الفاعلين مع ما يترتب على ذلك من تكاليف.
تحوّل داخل الكتلة الناخبة، يُفترض أن يستنفر التخصّصات العلمية ذات الصلة، وفي مقدمتها سوسيولوجيا الانتخابات من هنا، تُربك نتائج الانتخابات المغربية، إلى حد كبير، فرضية التحكّم الكامل للسلطة في تشكيلها. وتفرض، بالتالي، إعادة النظر في الحدود التي تفصل بين السياسي (البنيوي)، والانتخابي/ الحزبي (الموسمي) في السياسة المغربية، إذ يصعب التسليم بأن هذه السلطة دحرت الحزب إلى درجة أن يحلّ ثامنا بعد أن تصدّر المشهد لولايتين تشريعيتين، فضلا عن هيمنةٍ باديةٍ على مجالس عدد غير يسير من مجالس العمالات والأقاليم والجهات، ما يعني أن هناك تحوّلا داخل الكتلة الناخبة، يُفترض أن يستنفر التخصّصات العلمية ذات الصلة، وفي مقدمتها سوسيولوجيا الانتخابات، لا سيما فيما يتعلق بعلاقة هذه الكتلة بالأحزاب السياسية في المدن والحواضر الكبرى، وطبيعة العروض السياسية والاجتماعية الذي تطرحها هذه الأحزاب، وحدود دور شبكات الرأسمال والأعيان في رسم هذه النتائج واستخلاص عائداتها.
وهنا نتساءل: أين ذهب أكثر من مليون ونصف مليون صوت حصل عليها الحزب في اقتراع 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2016؟ يصعب التسليم بأن هذه الأصوات ذهبت إلى “التجمع الوطني للأحرار” و”الأصالة والمعاصرة”، ما يجعلنا أمام احتمالين: أن القاعدة الاجتماعية التي كانت تصوّت للإسلاميين منحت أصواتها لحزب الاستقلال المحافظ، والقريب في مرجعيته الفكرية والأيديولوجية من “العدالة والتنمية”، أو أنها قاطعت الانتخابات. وفي الحالتين، خسر الحزب قاعدته التي طالما فاخر بها قادتُه، وشكّلت أهم ورقة استثمرها في مواجهة السلطة والدولة العميقة.
ما حدث يوم الأربعاء الفائت لا يحيل، فقط، إلى تصويتٍ عقابي شرسٍ ألحقته هذه الكتلة (أو جزء منها) بالحزب الإسلامي، بل يحيل، أيضا، إلى مقاطعةٍ كبرى لعرضه الذي يقدم أحد أكثر النماذج فجاجةً في التناقض بين الخطاب والممارسة. هذا التناقض يغذي، في النهاية، المأزق الإصلاحي للدولة والسلطة والنخب والمجتمع، بمعنى أن هذه المقاطعة موجهةٌ، في الوقت نفسه، ضد تردّد الفاعلين، على اختلاف مواقعهم، في القيام بإصلاح سياسي واجتماعي شامل، يأخذ بالاعتبار تزايد الطلب على الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة.
كان لبقاء “العدالة والتنمية” على رأس الحكومة، عشر سنوات، أثره في استنزافه سياسياً وتنظيمياً في السياق ذاته، شكّل القاسم الانتخابي (على أساس المسجّلين في اللوائح الانتخابية) أبرز مفارقات الانتخابات المغربية، فبعد أن اعتبره الحزب موجّها ضدّه لمنعه من تحقيق فوز انتخابي كاسح، أظهرت النتائج أنه كان أكبر مستفيد من هذا القاسم، فلولاه لكانت نكبته أفدح. فلو كان خسر، فقط، بعض المقاعد، لكان في الوسع القول إن هذا القاسم استهدفه من أجل حرمانه من الفوز بأكثر من مقعد في هذه الدائرة أو تلك. ويعكس ذلك، في نظر كثيرين، انتهازية الحزب الذي يرى في الديمقراطية مجرّد لحظة انتخابية موسمية تعيده إلى البرلمان والحكومة والمجالس الجماعية والجهوية.
لا يمكن فصل سقوط حزب العدالة والتنمية عن القاعدة العامة التي تحكُم بقاء الأحزاب مدة طويلة في تسيير الشأن العام، فقد كان لبقائه على رأس الحكومة، عشر سنوات، أثره في استنزافه سياسيا وتنظيميا، خصوصا بعد الانسحابات والاستقالات التي عرفها قبل الانتخابات، واتساعِ الفجوة بين جناحي القواعد المتشبثة بمرجعيته الإسلامية والقيادات البراغماتية التي، مثلما، خبرت مفتضيات تسيير الشأن العام، خبرت كذلك، منافع السلطة ومكاسبها التي لا تحصى، سواء في الحكومة والبرلمان أو في مجالس العمالات والأقاليم والجهات. وبالتالي لم يكن الاهتمام بالحاضنة الاجتماعية للحزب وتغذيتها يقعان ضمن انشغالاتها الرئيسة. ولذلك كانت لافتةً خسارة معظم هذه القيادات الانتخابات في المدن والحواضر التي ترشّحت فيها، وفي مقدمتهم الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، الذي فشل في الاحتفاظ بمقعده في دائرة الرباط.
تصدّر التجمع الوطني للأحرار النتائج يمدّ سيناريو احتكار الحقل السياسي، والرهان على دوائر المال والأعمال والتكنوقراط والأعيان بطاقةٍ إضافيةٍ
من ناحية أخرى، أعادت نتائج هذه الانتخابات إلى الواجهة السيناريو الذي كانت تعدّه السلطة قبل هبوب رياح الربيع العربي، والمتمثل في احتكار الحقل السياسي، والرهان على دوائر المال والأعمال والتكنوقراط والأعيان، وضبط الفضاء العمومي، ومراقبة الاحتجاج الحضري، وتنزيل الجهوية المتقدّمة، وإعادة بناء شبكة النخب المحلية، كي تواكب مخرجات المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تشرف عليها الدولة، بما يحيل إليه ذلك من رؤية إصلاحية تنطلق من الأعلى في اتجاه الأسفل، من دون حاجةٍ إلى مؤسّسات وسيطة قوية. ويمكن القول إن تصدّر التجمع الوطني للأحرار هذه النتائج لا يُحيي، فقط، هذا السيناريو، بل يمدّه بطاقةٍ إضافيةٍ، في ظل التحدّيات التي يطرحها تنزيل مقتضيات النموذج التنموي الجديد واستخلاص عائداته السياسية، سواء على المستوى الداخلي، أو على المستوى الخارجي ذي الصلة بالتحالفات الإقليمية والدولية الجديدة للمغرب. ويتغذّى هذا السيناريو على الظرفية الدولية التي تتسم بصعود الليبرالية الجديدة، المتوسّلة بتوظيف الرأسمال العابر للحدود في إدارة معادلة السلطة، عبر تكتلاتٍ اقتصادية كبرى، تتحكّم في الإعلام وصناعة الرأي العام، في أفق فك الارتباط بين العمل السياسي والعقائد السياسية الكبرى، إسلامية أصولية كانت أو ليبرالية محافظة أو يسارية، مع ما يعنيه ذلك، في الحالة المغربية، من التحكّم في منظومة السياسات العمومية وربطها بالمشاريع الاقتصادية الكبرى، بالتوازي مع استبدال سردية التحوّل الديمقراطي التي استنفدت صلاحيتها السياسية بسردية النموذج التنموي الجديد، التي توافق الطورَ الذي باتت عليه السلطوية المغربية، خصوصا أنها لن تكون تحت إكراه أي ظرف إقليمي بعد الانتكاسة التي منيت بها الديمقراطية التونسية في يوليو/ تموز المنصرم.
انهيار “العدالة والتنمية” قد يعيد ملف جماعة العدل والإحسان إلى دائرة الضوء، فهذا الانهيار، قد يمنح الجماعة هامشا جديدا لترويج خطابها
بيد أن هذا السيناريو يواجه المأزق ذاته الذي واجهه قبل 2011، والذي يرتبط، بالأساس، بموقع الطبقة الوسطى من هذه الدينامية، وغياب قوة مجتمعية وسياسية تستوعبها، وتروض تطلعاتها السياسية، بعد انهيار “العدالة والتنمية” وخروجه من المعادلة السياسية، على الأقل حاليا. وهو بذلك ينطوي على قدر غير يسير من المجازفة، لأنه قد يُفضي إلى تجفيف منابع السياسة داخل المجتمع، وفتحِ المجال أمام تشكّل سياسة مضادّة تتغذّى على تزايد الاحتقان الاجتماعي، الأمر الذي سيجعل الحكومة المرتقبة في مواجهة مطالب اجتماعية ما فتئت تتراكم (ملف الأساتذة المتعاقدين، أزمة صناديق التقاعد، تداعيات جائحة كورونا على الفئات الفقيرة والهشّة..). ومن ثمَّ، فتحوُّلُ الحكومة والبرلمان ومجالس العمالات والأقاليم والجهات إلى مجرّد قنوات مؤسسية لتنفيذ مخرجات المشاريع الاقتصادية الكبرى، سيُجهز على ما تبقى من ‘’سياسةٍ’’ داخل هذه المؤسّسات، أمام تنامي أدوار التكنوقراط والإدارة والرأسمال بمختلف تنويعاته. كما أن انهيار “العدالة والتنمية” قد يعيد ملف جماعة العدل والإحسان إلى دائرة الضوء، فهذا الانهيار، الذي يعتبره بعضهم تأكيدا على صحة أطروحة الجماعة بشأن استحالة الإصلاح من داخل المؤسسات، قد يمنح الجماعة هامشا جديدا لترويج خطابها بين إسلاميي المغرب، لا سيما بين الغاضبين والمحبطين داخل “العدالة والتنمية”، في أفق استقطابهم سياسيا.
صحيحٌ أن الأحزاب التي تصدّرت نتائج الانتخابات لا تشكل بديلا يرقى إلى انتظارات المغاربة، إلا أن إزاحة الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع أمرٌ يستدعي الوقوف عنده
على الصعيد الإقليمي، يستدعي انهيار حزب العدالة والتنمية الحالتين، المصرية والتونسية، مع الأخذ بعين الاعتبار تباين السياقات المحيطة بهما. ففي وقتٍ أزيح فيه الإسلاميون عن السلطة في مصر بانقلاب عسكري، وفي تونس بانقلاب دستوري، شكّلت صناديق الاقتراع في المغرب وسيلةً ليس فقط لإزاحة هؤلاء، بل أيضا لمعاقبتهم ومحاسبتهم، ما يعني أن الحالة المغربية تقدّم، على الرغم من أعطابها، إمكانيةً لإحداث تغيير، ولو متدرّجا، من دون حاجة للعنف والاحتراب الأهلي. وهذا مكسب سياسي بحاجة لنخبٍ سياسيةٍ مؤهلة وقادرة على تطويره. صحيحٌ أن الأحزاب التي تصدّرت نتائج الانتخابات لا تشكل بديلا يرقى إلى انتظارات المغاربة، إلا أن إزاحة الإسلاميين عبر صناديق الاقتراع أمرٌ يستدعي الوقوف عنده في ظلّ ما آلت إليه الأوضاع في بلدان الربيع العربي.
في الختام، إذا كانت نتائج الانتخابات المغربية قد مكّنت الدولة العميقة من التخلّص من كابوس “العدالة والتنمية”، فإنها، في الوقت نفسه، فتحت ثغرة في الحقل السياسي، قد تتّسع مع مرور الوقت، وتتعلق بسلاح المقاطعة الانتخابية الذي قد توظّفه الطبقة الوسطى، مستقبلا، في مواجهة الأحزاب التي ستتحمّل المسؤولية في الحكومة المقبلة، لا سيما أن بعضها أطلق وعودا يصعب، إن لم نقل يستحيل، تطبيقها بسبب الإكراهات التي تواجهها مالية الدولة، والذيولِ التي يتوقع أن تخلفها الجائحة على أكثر من صعيد.