- الأهالي - https://www.hashd-ahali.org/main/weekly -

مشاركة “العربية الموحدة” في حكومة الاحتلال ذات مؤشرات خطيرة

 برهوم جرايسي -فلسطين -الناصرة –

الاهالي – أقدمت كتلة “القائمة العربية الموحدة” الذراع البرلماني للحركة الإسلامية (الشق الجنوبي) برئاسة عضو الكنيست منصور عباس، على خطوة خطيرة غير مسبوقة في تاريخ ومسيرة فلسطينيي 48، بأن قررت الانخراط فعليا في الائتلاف الحاكم، في الحكومة الإسرائيلية الجديدة، التي ستحصل على ثقة الكنيست يوم الأحد القريب، وهي حكومة تحت سطوة اليمين الاستيطاني المتطرف، بدءا من رئيسها نفتالي بينيت. وككل حكومة إسرائيلية يقف على رأس أجندتها تعميق الاستيطان، والضم الزاحف للضفة، واستكمال حصار القدس، واستمرار تهديد مقدسات المدينة وأولها المسجد الأقصى المبارك.
وهذه خطوة غير مسبوقة في تاريخ القوى السياسية التي تحمل أجندة وطنية، ففي سنوات الخمسين والستين من القرن الماضي، كانت قوائم عربية تابعة لحزب “المباي” الصهيوني الحاكم في حينه، (العمل حاليا)، وكانت تلك القوائم ضمن كل ائتلاف حكومي يرأسه حزبها الأصلي، ولكن تلك القوائم كانت طبيعتها مكشوفة للناخب، وكانت تحصل على كم أصوات كبير، في تلك السنين، التي تبعت نكبة العام 1948 ورهبتها.
في حين أن قطاعات فلسطينيي 48 الوطنية، التي كانت تشارك في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية منذ العام 1949، كانت تجد عنوانها في الحزب الشيوعي، الذي لاحقا في العام 1977 أسس الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة. وكان وما زال، نهج هذا الحزب في العمل البرلماني سياسي صدامي في مواجهة المؤسسة الحاكم. وفي ذات العام 1977 اكتسحت الجبهة الديمقراطية أكثر من 52% من أصوات العرب، مقابل كل الأحزاب الصهيونية مجتمعة.
وكانت التعددية الأولى في المنافسة على أصوات القطاعات الوطنية بين فلسطينيي 48، في العام 1984، مع قيام “الحركة التقدمية للسلام”، ولاحقا وحتى اليوم، باتت عدة أحزاب تنافس، ما شجع على دحر الأحزاب الصهيونية، التي تقل نسبتها حاليا بين العرب عامة، عن 20%. ومن دون القرى العربية الدرزية، فإن نسبة الأحزاب الصهيونية تقل عن 12%.
ولم يكن في وارد كل هذه الأحزاب أن تكون جزءا من أي ائتلاف حاكم. ولكن في العام 1992 ظهرت وضعية غير مسبوقة في تاريخ السياسة الإسرائيلية، بأن تحولت كتلتان تمثلان فلسطينيي 48، الجبهة الديمقراطية، والحزب العربي، القوة البرلمانية المقررة لطبيعة الحكومة الإسرائيلية. وكان ذلك العام، أوج انتفاضة الحجر الفلسطينية الباسلة التي اخترقت الشارع الإسرائيلي، وأحدثت فيه تحولات “إيجابية” بشكل نسبي، طالت أيضا حزب “العمل” الذي كان ما يزال ينافس على الحكم.
كذلك كانت في ذلك العام أجواء مفاوضات مع الدول العربية، في أعقاب مؤتمر مدريد، الذي انطلق في خريف العام 1991، ولكن حزب الليكود تعنت لعرقل تلك المفاوضات. وأمام هذا الوضع، وافقت الكتلتان على تقديم شبكة أمان من الخارج لحكومة حزب “العمل” برئاسة يتسحاق رابين، وكان الشرط الأول هو التقدم في المفاوضات مع الدول العربية والجانب الفلسطيني. ومن ثم التجاوب مع طلبات تتعلق بحقوق فلسطينيي 48.
ولكن لم يكن هذا الدعم الخارجي المحدود، يعني الانخراط في الائتلاف، لا بل في كثير من الأحيان، تم استخدام هذا الدعم لردع الحكومة عن مخططات استيطانية خطيرة في القدس والضفة. ولاحقا رأينا اعترافا إسرائيليا رسميا بمنظمة التحرير الفلسطينية، والانطلاق بمسار أوسلو، الذي رغم أنه لا يقارب تطلعات الشعب الفلسطيني، ولكنه كان بداية، والأمر الأساس في ذلك المسار، أن إسرائيل اضطرت للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، ممثلة للشعب الفلسطيني. وهذا اعتراف ليس بهذه السهولة بالنسبة للحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل.
ولهذا لا يمكن بأي حال من الأحوال التشبيه بين خطوة “القائمة العربية الموحدة”، وبين ما كان في العام 1992، لأن “العربية الموحدة” تنازلت عن كل المطالب السياسية، وتجاهلت الاحتلال والاستيطان واضطهاد شعبها، وقبلت بأن تكون جزءا ملتزما بالائتلاف الحاكم.
النقطة الأولى التي يجب الوقوف عندها، هو أن عضوية الائتلاف الحاكم، تعني تحمل المسؤولية الشاملة لسياسات الحكومة، ما يعني أن “العربية الموحدة” باتت من ناحية رسمية، جزءا من منظومة الاحتلال، حتى ولم يكن أي من نوابها الأربعة في منصب وزير، لأن اتفاقية الائتلاف تنص على التزام هذه الكتلة البرلمانية بقرارات الائتلاف الحاكم.
كذلك فإن السياسات التنفيذية لحكومة الاحتلال ليست بالضرورة تحتاج كلها لموافقة البرلمان، بل هي تحصيل حاصل لسياسات قائمة ومعمول بها، ومنذ الآن ستتحمل المسؤولية عنها “القائمة العربية الموحدة”.
النقطة الثانية التي لا تقل خطورة، وخطورة كبيرة جدا، أي أن القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس، أعلنت مسبقا تخليها عن أي شرط سياسي، وهذا ما جعل أشرس الأحزاب الصهيونية، بدءا من حزب الليكود ورئيسه بنيامين نتنياهو، تقبل بمبدأ مشاركة “الموحدة” في الحكومة. مقابل رفض معلن لأي مفاوضات مع كتلة “القائمة المشتركة” التي تمثل فلسطينيي 48، رغم أن “المشتركة” لم تطرح نفسها لأي مفاوضات للمشاركة في الحكم.
ورأينا على مدى أسابيع، صراعا داخل أحزاب المستوطنين وحاخاماتهم، حول شرعية مشاركة منصور عباس وكتلته في الحكومة، وتطوع عباس لزيارة أخطر هذه الحاخامات، ويدعى حاييم دروكمان، الذي أصر على رفض مشاركة “الموحدة”؛ في حين أعلن حاخام مدينة صفد، المعروف بشراسة عنصريته وتحريضه على العرب، قبوله بمبدأ مشاركة منصور عباس وزملائه في الحكومة، بعد أن تخلوا عن أي مطلب سياسي أو مطلب ذا طابع قومي.
لقد ربط فلسطينيو 48 نضالهم من اجل حقوقهم المدنية، بنضالهم القومي من أجل حقوق شعبهم الفلسطيني على وطنه، الحرية والاستقلال والدولة والعودة، ورفضت القوى الوطنية أي مقايضة، للحقوق المدنية بالحقوق القومية.
وأجمل تعبير لهذا الموقف أطلقه في الأيام الأخيرة، رئيس لجنة المتابعة العليا لقضايا فلسطينيي 48، محمد بركة، بقوله: “إننا نرفض الحصول على حقوقنا مغموسة بدماء شعبنا”، كذلك قال بركة، “إننا أصحاب حقوق مدنية على أساس أننا أصحاب الوطن ولسنا رعايا نتذلل”.
هناك من يعتقد وكأن مشاركة “القائمة العربية الموحدة” في الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بمثابة انكسار إسرائيلي؛ وهذا اعتقاد خاطئ كليا، لأن الانكسار حصل عند القائمة الموحدة، التي تخلت مسبقا عن أي مطلب سياسي وقومي، وهذا هو الحاجز الأساس التي وضعته الصهيونية، وهو حاجز متبادل، لأن القوى الوطنية الفلسطينية أيضا وضعت هذا الحاجز قاعدة لعملها السياسي.
لقد أثبتت كل حكومات إسرائيل أنها لا تحترم أي وعد وأي خطة يتعلق بفلسطينيي 48، والتجارب عديدة، فمن السهل نشر صفحات تعج بالأرقام، ولكن مصيرها واضح بالنسبة لنا، لأن السياسات العنصرية ضد فلسطينيي 48 ليست خللا في جهاز الحكم الصهيوني، بل هي سياسات ترتكز على ذات العقلية الاجرامية التي ارتكبت نكبة الشعب الفلسطيني المستمرة، وهي ذات عقلية الحصار على قطاع غزة، وعلى الضفة، وعلى القدس المحتلة ومقدساتها.
ومن لا يعترف بهذه الحقيقة، أو يتجاهلها، سيكون من السهل عليه أن يقع في شرك الصهيونية والانخراط في جهازها الحاكم، هذا الجهاز القامع المحتل المستوطن.
نحن أصحاب حقوق قومية ومدنية في وطننا، ونرفض أن نحصل عليها مغمسة بدماء شعبنا.