- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

على هامش أزمة غرق عمان: استراتيجية إدارة المدن منهجية جديدة

بقلم د. خالد الوزني

عمان بحاجة إلى خطة تطوير مدن جديدة تساعد على دراسة الوضع العام للبنية التحتية، بهدف تحسينها آنياً، ومستقبلاً، وتساعد على جعلها قابلة لجذب الاستثمارات، وتجعلها أكثر قابلية للاستدامة
لعلَّ من المنطق عدم تحميل الإدارة الحالية لأمانة عمان المسؤولية الحصرية والكاملة عمّا حدث مؤخراً من آثارٍ مدمرة على الاقتصاد والممتلكات، نتيجة الفيضانات والسيول التي اجتاحت العاصمة.
بيد أنَّ ذلك أيضاً لا يعني أنَّ أمانة عمان، بمفهومها المؤسَّسي التسلسلي والتاريخي، ليست المسؤولة عن جزء مهم مما حدث من أضرار وخسائر. وبعيداً عن البحث في الظاهرة، ومعاجلة نتائج ما حدث، بما في ذلك تعويض الخسائر والأضرار، فإنَّ المنطق الاستراتيجي يحتِّم البحث في الجذور، ويحتِّم العودة إلى أصل المشكلة.
وأصل المشكلة ذاك ينحصر في التخلي مؤسَّسياً، وفي الكثير من مرافق الحياة، ومؤسَّسات العمل العام والخاص، عن التخطيط الاستراتيجي المعتمد على استشراف المستقبل، وعدم الإيمان بشكل واضح بأنَّ وضع استراتيجيات وخطط قابلة للتنفيذ، ووضع آليات للمتابعة والمساءلة والمحاسبة هو السبيل الوحيد للمؤسَّسية التي نشعر بعدم وجودها في الكثير من مفاصل الحياة المؤسَّسية.
وقد بات معروفاً أنَّ تغيُّر المسؤول على رأس هرم أي جهة يعني تغيُّر كل شيء والبدء من جديد مع كل مسؤول جديد. المؤسسية والعمل المؤسسي يُحتمان أن تلجأ الدولة بكافة مرافقها ومستوياتها إلى خطط استراتيجية واقعية تشاركية، خطط حقيقية، منهجية، منطقية، وقابلة للإنجاز، بل والأهم قابلة للمتابعة والتقييم والمحاسبة والمساءلة. التخطيط الاستراتيجي والتطوير المستمر المبني على الخطط المؤسَّسية هو ما وضع حول العالم ما يُسمّى “التطبيقات المُثلى”. بالعودة إلى الأردن، فقد كانت هناك محاولات حقيقية منذ بداية القرن الجديد نحو اعتماد وتطبيق استراتيجيات مؤسَّسية في العديد من المؤسَّسات والجهات الرسمية، بل كان هناك توجٌّه حقيقي لوضع استراتيجيات قطاعية، تخص قطاعات الاقتصاد ومجالاته المختلفة في مجال الاستثمار، والعمل، والصحة، والتعليم، والسياحة وغيرها. ويبدو أنه في فترة ما تمَّت العودة عن ذلك النهج، وتمَّ التوقف عن وضع خطط تشاركية قابلة للتنفيذ والمحاسبة، وتحول بعضها إلى تمرين ترفي، وإجراء روتيني يوضع في الكتيبات وعلى المواقع الإلكترونية دون التزام حقيقي.
الشاهد من هذا كله، أنَّ النهج الجديد في إدارة المدن يتطلب اعتماد ما يمكن تسميته استراتيجية تطوير المدن، City Development Strategy، وهي منهجية مطبقة عالمياً، بدأها البنك الدولي وتمَّ تطويرها وتطبيقها في مدن عدة حول العالم، وفي المنطقة. وتقوم تلك الاستراتيجية على خطة عمل لتحقيق تنمية مناطقية يتم إعدادها واستدامتها من خلال المشاركة الفاعلة بين الجهات ذات العلاقة لتحسين نوعية الحياة والمعيشة للمواطنين.
وتتضمن استراتيجية تنمية المناطق في مجال البنية التحتية، وفي محاور عدة ضمن رؤية جماعية للمنطقة، ورسالة واضحة وأهداف متكاملة، وخطط عمل موجهة نحو المشاريع، بهدف تحسين الحكم المحلي وإدارته، بما يضمن فاعلية اتخاذ القرار والإدارة، من جهة، وزيادة الاستثمار لتوسيع فرص العمل والخدمات، من جهة ثانية، وتخفيف الفقر والبطالة بطريقة منتظمة ومستدامة داخل المدن، عبر الاستثمار في مورادها، وجعلها أكثر جاذبية، مع تطبيق أفضل الممارسات في مجال تبسيط الإجراءات وتحقيق التنافسية، من جهة ثالثة.
والحقيقة أنَّ جهود أمانة عمان سابقاً في مجال المُخطط الشمولي، بما في ذلك رسم واجهة واضحة وخطة متكاملة للمدينة، إنما تقع ضمن مفهوم تلك الخطط الاستراتيجية لتطوير المُدن. وقد كان ذلك بشراكة فاعلة مع العديد من الجهات، والمختصين، والتجارب العالمية، والجهات ذات العلاقة من القطاع الخاص والعام ومؤسَّسات المجتمع المدني.
عمان بحاجة إلى خطة تطوير مدن جديدة تساعد على دراسة الوضع العام للبنية التحتية، بهدف تحسينها آنياً، ومستقبلاً، وتساعد على جعلها قابلة لجذب الاستثمارات، وتجعلها أكثر قابلية للاستدامة، وتعيدها إلى وضعها المطلوب من حيث البنية التحتية، والإمكانات المالية، ومساعدة البلديات والمدن الأخرى في كافة محافظات الدولة. وعليه، ففي الوقت الذي يجب معالجة الآثار المدمرة للفيضانات التي اجتاحات المدينة، فإنَّ المهم أن لا نقتصر عن معالجة الظاهرة، بل البحث في الجذور والبدء بوضع خطة لبنية تحتية أكثر مناسبة من البنية التحتية والقائمة، فمن غير المقبول أن تكون الفزعة هي أسلوب العمل في كل مرة نواجه فيها منخفضاً جوياً، أو حالة غير مستقرة، ذلك أنَّ الأهم من إدارة الأزمات هو العمل على تجنبها أساساً، عبر سياسات مستقرة مبنية على التخطيط السليم للاحتياجات. هناك من المدن حول العالم من لا يتوقف فيها نزول المطر لأيام وأسابيع بل وشهور، ولكنها لا تغرق، لا شيء إلا لأنَّ التخطيط المنطقي، العملي، والاستراتيجي يوصل إلى المنهجية السليمة في التعامل مع الأزمات. ويوفر على الاقتصاد العديد من الأموال المهدرة، ويحفظ الأرواح والممتلكات، ويساعد على تحقيق معدلات استثمار أفضل للموارد المادية والبشرية.