- الأهالي - https://www.hashd-ahali.org/main/weekly -

التطبيع العربي بين ميزان السياسة والقانون الدولي

الاهالي – خاص

مقدمة عامة
التطبيع بالمفهوم السياسي هو إعادة الأمور إلى الحالة الطبيعية، وهناك عدة نماذج عن التطبيع نذكر منها على سبيل المثال لا على سبيل الحصر:
التطبيع الإرغامي: وهو ما جرى إقراره من قبل الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، من خلال مؤتمر فرساي عام (1919)، وهو صلح فرضته الدول المنتصرة على الدول المغلوبة، حيث سلم الحلفاء أعضاء الوفد الألماني الصيغة النهائية للمعاهدة مرفقة بتهديد مواصلة الحرب اذا لم يوقع عليها في 5 ايام، ولم يسمح للألمان بالجلوس إلى المائدة التي جلس عليها الحلفاء، بقصد التحقير. وفرض عليها بالتعويضات المتعلقة بجرائم الحرب.
التطبيع الألماني – الأوروبي: بعد ان استسلمت ألمانيا عام 1945 في الحرب العالمية الثانية، كان إتفاق الحلفاء هو تقسيم ألمانيا وجرى تسليم السلطة العليا لمجلس مراقبة الحلفاء، حيث جرى تخفيض مستوى المعيشة إلى مستوى لا يتجاوز معدل مستويات الأقطار الأوروبية.
التطبيع الأميركي – السوفياتي: لم يعرف العالم انقساما أيديولوجيا حادا كهذا الانقسام، جراء الصراع بين الشيوعية والرأسمالية بعد الحرب العالمية الثانية حتى إنهيار الإتحاد السوفياتي في مطلع التسعينات، إذ شهد العالم أعتى عمليات التسليح وسباق التسلح، حيث شهدت العلاقات بين الإثنين توترا حادا، ابتداءا من إستخدام أميركا السلاح النووي ضد اليابان في آب 1945، لعدم تقديم تنازلات عند انتهاء الحرب العالمية الثانية، وحرب كوريا عام 1950-1953، أزمة برلين 1956، حرب العدوان الثلاثي على مصر 1956، حرب أوكتوبر 1973، أزمة كوبا…
التطبيع الأميركي – الصيني: يمكن اعتبار أن هذا التطبيع هو أغرب التطبيع العالمي بسبب اختلاف العقائد والحضارات والقيم المتباعدة أشد التباعد، بعد أن خاضتا الدولتان حربا في كوريا بمطلع الخمسينيات، وتدخل الصين إلى جانب الثورة في فييتنام 1975، وعدم إعتراف أميركا بالصين الشعبية عام 1949، إلى أن التقت المصالح الأميركية الصينية نتيجة العلاقات الاقتصادية التي قامت بينهما. ولكن يمكن أن نرى اليوم أين أودت هذه العلاقة من خلافات على المصالح بين البلدين.
التطبيع التركي اليوناني: تعد جزيرة قبرص أخطر المشاكل بين تركيا واليونان نظرا لموقعها الإستراتيجي، حيث بدأت العلاقات أثر الزلزال الذي ضرب تركيا واليونان عام 1999، رغم ذلك لم يتم الفصل إلى الآن بموضوع قبرص.
يمكن اعتبار أن التطبيع هو إلتقاء مصالح البلدين بغض النظر عن الخلافات بينهما، وبالتالي تقر التجارب أنه لم يحقق أي تغيير بالعداء او إنحراف لمجريات النزاعات بين البلاد ولم يحل أي أمر بينهما إلى الآن، ويتضح ذلك من خلال علاقات الصين وأميركا اليوم، علاقات إيران وأميركا، علاقات ألمانيا بروسيا، علاقة ألمانيا بأوروبا، وتركيا باليونان، وعلاقة أميركا بفييتنام وكوبا وفينزويلا…

التطبيع العربي – الاسرائيلي

لمحة تاريخية وكيفية تحول الفكر السياسي العربي:
مع مطلع القرن التاسع عشر، ونمو الفكر الإستعماري بين الدول الأوروبية وتراكم رأس المال، ولدت فكرة الإستعمار الصهيوني مستندة إلى فكرة الوعد الإلهي والخلاص والعودة، حيث أن أرض الميعاد في مزاعم التوراة هي أرض فلسطين، لكنها مأهولة بشعب وليس كما تم إدراجه او اعتقاده أن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، وبدأ “تيودور هرتزل” (1860 –1904) في إنضاج الحركة الصهيونية وجعلها مشروعا سياسيا بإعتبار فلسطين الوطن القومي لليهود، إلى أن تم إصدار وعد بلفور عام 1917، وهو إعطاء من لا يملك إلى من لا يستحق، ثم قرار التقسيم 181 عام 1948 الذي نص على إعطاء 56% من أرض فلسطين إلى اليهود لإنشاء وطن لهم على الرغم أن عددهم لم يتجاوز 7%. أثر ذلك شنت العصابات الصهيونية عام 1948 عملية تطهير عرقي اتصفت بالنكبة الفلسطينية، واحتلت العصابات الصهيونية 78% من أرض فلسطين، وتهجير ما يفوق عن 850 ألف فلسطيني، وتدمير 450 قرية فلسطينية بالكامل.
بعد ذلك تم وقف القتال لإيجاد حل عادل للقضية، ووافقت إسرائيل على تلك الهدنة شرط الإعتراف بها كدولة، وقد عبرت إسرائيل بالتفاوض مع الأقطار العربية إلا أن جامعة الدول العربية رفضت رفضا قاطعا إجراء أي نوع مفاوضات مع إسرائيل، الى أن جرى توقيع هدنة كل بلد لوحده، فتم توقيع إتفاق الهدنة بين مصر وإسرائيل في 24 شباط 1949 في رودس، وبين الأردن وإسرائيل في 3 نيسان 1949 برودس، وبين لبنان وإسرائيل في 23 اذار 1949 في رأس الناقورة، وبين سوريا وإسرائيل في 20 تموز 1949 على الحدود السورية الفلسطينية. دونت هذه المعاهدات وتم عقد مؤتمر لوزان في 26/4/1949 لحل المشكلة العربية – الاسرائيلية، من ضمن المبادئ التي جاءت فيها الإعتراف بالتقسيم وتدويل القدس وعودة اللاجئين إلى ديارهم، وقد توقفت أعمال لجنة التوفيق بسبب رفض إسرائيل التعامل معها.
مشاريع التسوية:1949- 1967
بعد قبول الأمم المتحدة بإسرائيل كعضو في الجمعية العامة المدرج بقرار 273 في 11/05/1949، شهدت الفترة الممتدة من 1949 الى 1967 سيلا من مشاريع التسوية، وقد أثارت هذه المشاريع جدلا على الساحتين العربية والفلسطينية، ولكنها فشلت جميعها بإيجاد حل للصراع بسبب الرفض العربي لشروطها واصطدامها بالشروط الإسرائيلية. إذ شكل مشروع التسوية الذي قدمه رئيس جمهورية تونس “حبيبي بو رقيبة” أبرز هذه المشاريع.

مقدمات قبول اسرائيل كدولة بعد هزيمة 1967:
أطلق على هذه الحرب حرب النكسة، بعد إنهيار النظام العربي الرسمي، وكانت نقطة تحول من المعركة الفلسطينية القومية إلى المعركة الفلسطينية الوطنية، حيث شهد هذا العام القرار 242 ومؤتمر القمة العربية في السودان عام 1967 المعروف باللاءات الثلاثة، لا تفاوض لا إعتراف لا صلح مع إسرائيل.

مشروع روجورز 25 ايار 1970
بعد الحديث عن مشروع روجورز، ابتدأ الحديث عن الإعتراف المتبادل بوجود إسرائيل كدولة بالخطابات الرسمية العربية، وأقر الرئيس المصري السابق “أنور السادات” عام 1970 إذا انسحبت إسرائيل من أراضي 1967 ستعترف مصر بإسرائيل كدولة مستقلة ذات سيادة. وكذلك إلتحق به “الملك حسين” ملك الأردن بقبول مشروع روجرز والقرار 242 لإخضاع الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية بعد إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في الأردن وبعد معركة أيلول الأسود عام 1970.

الموقف الفلسطيني من التسوية: 1967-1973
تبلورت حركة المقاومة الفلسطينية بمنظور وطني تجاه فلسطين بتحريرها من النهر إلى البحر، عندها استطاعت فصائل المقاومة الفلسطينية الدخول على منظمة التحرير عام 1968 التي أنشئت عام 1964، حيث أعربت المنظمة أن الشعب الفلسطيني يرفض التفاوض أو أي بديل عن أرضه المسلوبة، ويرفض أي محاولة تصفية قضيته أو تدويلها.

مقدمات كامب دايفيد واعتراف فلسطيني بإسرائيل

على الرغم من النتائج الإيجابية التي حققتها حرب سوريا ومصر عام 1973، لكنها شكلت مقدمة لإتفاقية كامب دايفيد من جهة وإلى تطورات أصابت الفكر الفلسطيني من جهة اخرى، فقد كانت النتيجة تهيئة مناخ للمشاركة العربية في مؤتمر مدريد عام 1991.
1مؤتمر مدريد والوصول إلى اوسلو:
جسد مؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط العلاقة بين المنتصر والمهزوم، فقد كان يملى على العرب نتيجة الضغوط الأميركية والشروطات الإسرائيلية بمبادرة من جورج بوش لحل الصراعات بمنطقة الشرق الأوسط، وقد كانت المفاوضات السرية قد افتتحت بعد مؤتمر مدريد عام 1991 بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل التي انتهت بالتوقيع على إتفاقية أوسلو التي اشترطت التفاوض مع إسرائيل مع إلغاء عمليات الإرهاب والعنف والتطبيع معها بكل المستويات، عارض هذه الاتفاقية العديد من الفصائل الفلسطينية بما فيها فصائل داخل منظمة التحرير الفلسطينية.

خلاصة واستنتاجات

تهدف إسرائيل من خلال التطبيع لتحقيق:
1– الشرعية الاسرائيلية المفقودة:
تدرك إسرائيل أنها لا يمكنها العيش بعزلة عن الجوار العربي ومقاطعة جيرنها من البلاد العربية، بهدف رؤية ” الدولة اليهودية” قوية ومقبولة بأساسها الأيدولوجي لدى العالم العربي. بل إن إسرائيل لا ترى أن مجرد السلام هو إنهاء حالة الحرب، بل يتجه إلى تجسيد شرعية الدولة اليهودية وتطبيقها عبر آلية التطبيع.
تعد الاتفاقيات والمعاهدات التعاقدية من أهم مداخل إضفاء الشرعية القانونية والسياسية على الكيانات الدولية، في الوقت الذي تسعى فيه إسرائيل لعقد اتفاقيات ومعاهدات هنا وهناك مع الأنظمة العربية الرسمية، فهي ترى أن لا تغير جذري إلا إذا تغيرت وجهة النظر لدى المواطنين العرب، وأفضل المداخل لتغيير الرأي العام للمواطن العربي هو التطبيع وإقامة العلاقات العربية – الإسرائيلية، فلا تعتبر إسرائيل أن الشرعية تكتسب من مجرد الإعتراف بشرعيتها على المستوى الرسمي فقط، بل بتسليم المواطن العربي لشرعية إسرائيل كدولة يهودية بأيديولوجيتها الصهيونية والتعامل معها كدولة طبيعية غير محتلة للأراضي العربية.
وبما أن إسرائيل تختلف ثقافتها عن ثقافة الأرض المحتلة وحضارتها، كونها جسم غريب أوجده الإنتداب البريطاني، فهي تعد جسم غريب غير مرغوب به في المنطقة العربية الموجود بها. ومن المنطقي أن تسعى إسرائيل للخروج من هذه الازمة.

2- أمن اسرائيل:
الأمن هو أكثر المصطلحات المستخدمة في الخطاب والفكر الصهيوني خلال فترة الحروب والمعاهدات ومفاوضات السلام، فهي باختصار تبحث عن مكاسب أمنية وعسكرية وسياسية، ومحاولة الوصول إلى كافة الدول المجاورة للتطبيع معها كسوريا ولبنان…

3- إقتصاد قوي:
التطبيع الإقتصادي بالنسبة لإسرائيل ليس هدفا فقط بل هو وسيلة ايضا، لأنه يشكل المدخل الأساسي لتعزيز مكانة ما يسمى بإسرائيل الكبرى اليهودية بحيث أن التطبيع الإقتصادي يفتح آفاقا رحبة أمام الإقتصاد الإسرائيلي نحو الأسواق العربية واستغلال مواد الخام والإستثمارات والموارد المائية والمالية والتجارية…
يعاني الإقتصاد الإسرائيلي من مجوعة أزمات بنيوية تتمثل في محدودية الأسواق الخارجية وضيق الرقعة الزراعية وندرة الموارد الأولية ونقص في الموارد المائية، وارتفاع في معدلات التضخم، والعجز المزمن في الميزان التجاري وميزان المدفوعات، وتدهور في سعر صرف العملة، وارتفاع نسبة الانفاق العسكري، وارتفاع كلفة استيعاب المهاجرين الجدد، بالإضافة الى تفاقم أزمة البطالة، وتردد الشركات العالمية للإستثمار في إسرائيل…
فالتطبيع العربي يكسر هذه القيود، ويوفر لإسرائيل الفرصة التاريخية للخلاص من أزمتها الإقتصادية واعتمادها على الغرب وعلى المساعدات والمنح الاميركية.
ليس التطبيع بالمنظور الإسرائيلي هو مجرد بروتوكولات ومعاهدات بقدر ما هو مشروع إستراتيجي عميق الأبعاد، على الرغم مما تملكه إسرائيل من مخزون تسليحي إلا أنها لم تصل إلى ما تسميه الحدود الآمنة ولم تتوصل إلى تحقيق شرعيتها عند الشعوب العربية.
إن فكرة ممارسة التطبيع في الإطار العربي ليس إلا مشروع سياسي أميركي – إسرائيلي بالتعاون مع بعض الأنظمة العربية الرجعية لخلق شرق أوسط جديد تسوده الصراعات الطائفية على حساب الدولة الوطنية والتي تصب في مصلحة ما يسمى بالدولة الاسرائيلية الكبرى.
بعد الإعلان عن الشق السياسي لصفقة القرن في 28/1/ 2020، بل وقبل الإعلان عنها، أي منذ بدء الحديث عنها، ارتفعت وتيرة محاولات التطبيع مع إسرائيل وخروجها إلى العلن خصوصا مع بعض الأنظمة الرجعية في أعقاب الورشة الإقتصادية التي عقدت في المنامة عاصمة البحرين، وبعد مشاركتهم في المؤتمرات الدولية والتقاء مسؤولين اسرائيليين، وصولا الى استضافة فرق رياضية إسرائلية بدورات تعقد بمدن خليجية وزيارة وفود خليجية إلى إسرائيل، تحت غطاء السياحة وسماحة الأديان، والإعلان عن مشروع مد السكك الحديدية من إسرائيل إلى مسقط لتؤكد أن السعودية جزء هام من هذا المشروع. كما زار نتانياهو الإمارات مرتين قبل إعلان تطبيع العلاقات بين إسرائيل والإمارات، بعدما أشارت صحف إسرائيلية مقربة من نتانياهو أن الدولة المطبعة التالية ستكون البحرين.
لم تكن للإمارات أي حجة مقنعة للتطبيع كما هو حال إتفاقيات السلام بين مصر وإسرائيل وبين الأردن وإسرائيل، كونها لا تفرض الجغرافيا أي ضغوط سياسية على دولة الامارات أي مواجهة مع إسرائيل ولم تكن الإمارات في حالة حرب معها وهذا ما يؤكد أن ما جرى هو إتفاق يتعدى التطبيع إلى إنشاء حلف أمني بقيادة إسرائيل لمواجهة عدو مفترض وهو الجمهورية الإسلامية في إيران. فقد أتت إتفاقيات تطبيع بعض الأنظمة العربية مع إسرائيل كجزء من سياسة ترامب لمواجهة تحديات إنتخابية أميركية داخلية وإضرابات إحتجاجية.
ما تمثله الحكومات ليس بالضرورة رضا المجتمعات، فإن الشعوب العربية على اختلافها ترفض التطبيع جملة وتفصيلا على الرغم من تنوع انتماءاتها السياسية، فقد فهمت الشعوب أن التطبيع مع اسرائيل هو كل فكر او قول او فعل اختياري يؤدي إلى أو يعمل على إزالة حالة العداء الصهيوني خضوعا لسياسة الأمر الواقع، أو اقتناعا بها، ويضفي على وجوده أي نسبة أو شكل من أشكال الشرعية على الأرض التي اغتصبها، ويكرس له ملكيتها أو السيادة عليها، حيث لا يملك أي أحد كائنا من يكن التنازل عن أرض الوطن وحرمان أجيال المستقبل منه، أو فرصة العمل على إستعادتها من الإحتلال الغاصب.
ما يبرر هذه الحدة هو الضمير العربي الحي على المستوى الشعبي، فإن وظيفة مشروع التطبيع هو اضفاء الشرعية على كيان إحلالي إستيطاني مازال يحتل مساحات من الأراضي العربية ويمنع قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة بعاصمتها القدس الشرقية، ويمنع عودة اللاجئين وفقا للقرارات الدولية، والاستمرار في الممارسات الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني.