- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

«لبنان الكبير» في بداية مئويته الثانية المحاصصة الطائفية أو «السقوط في الجحيم»

«في منتصف طريق الحياة، وجدت نفسي
داخل غابة مظلمة ضاع فيها الطريق القويم»
(دانتي أليغييري)

ذكّرتني مقارنة رئيس الجمهورية اللبنانية للواقع الذي سنصل إليه ب»جهنّم»، في حال أخفقت الطبقة المسيطرة في تأليف حكومة جديدة، بالكتاب الأول للكوميديا الالهية التي كتبها دانتي أليغييري في بدايات القرن الرابع عشر، فأسهب في وصف الجحيم ودوائره التسعة، محذّرا من يدخله بأنه لن يلقى فيه إلا اليأس الذي سينسيه الرجاء.
وإذا كان دانتي قد دخل الجحيم بإرادته ليتعرّف إلى حلقاته ودوائره ومن يقبع فيها من المجرمين من كل نوع، بمن فيهم، على وجه الخصوص، السياسيين والمسؤولين الفاسدين أو الذين يسهّلون فساد الآخرين أو، خاصة، الذين خانوا الشعب والوطن، فإن ما يتحدث عنه رئيس جمهورية لبنان هو شيء آخر.
نعم، ما يتحدث عنه رئيس الجمهورية ليس «جهنم» دانتي حيث يحاسب كل مسؤول عن الجرائم التي ارتكبها بحق الشعب، بل عن تلك الهاوية السحيقة التي ستدفع إليها الطبقة المسيطرة، من داخل الحكم وخارجه، الشعب اللبناني الجائع إنما المنقسم على نفسه بفعل الطائفية، من جهة، ونتيجة سيطرة أمراء الطوائف على الدولة واستخدامها للامساك بخناقه، عبر الزبائنية، من جهة ثانية. لذا كانت ردة الفعل السلبية الكبيرة على خطابه…
فهو، مبدئيا، رئيس البلاد وحامي الدستور والمدافع الأول عن الشعب، وليس خبيرا̋ أجنبيا̋ أو صحافيا̋ يحلل أوضاع البلاد عبر مقالة في صحيفة يومية. بمعنى آخر، هو مسؤول، ليس فقط عن رسم صورة للواقع، بل عن وضع الحلول الناجعة لتغييره وتلافي إسقاط جماهير الشعب في جحيم المجاعة، بل الموت جوعا، بعد أن وقعوا في حفرة العوز والفاقة حيث وضعوا قسرا بفعل سياسات إقتصادية ومالية مورست طوال ثلاثة عقود وأدّت إلى ما أدّت إليه من انهيار الأجور والرواتب والمعاشات التقاعدية، والاستيلاء على أموال الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومعها أموال صغار المودعين في المصارف (فالكبار هرّبوا أموالهم إلى أميركا وأوروبا وكل الجنّات الضريبية منذ أوائل العام 2019)، وإقفال عشرات آلاف المؤسسات الانتاجية والتجارية الصغيرة والمتوسطة، ورمي حوالي نصف سكان لبنان في البطالة وتحويلهم إلى فقراء… عدا عن النتائج الانسانية والمالية الكارثية لتفجير مرفأ بيروت، ومعه عشرات آلاف المساكن، في 4 آب الماضي وما تبعه من حرائق أكلت نيرانها بعض ما تبقّى من مواد غذائية وزيوت وآلات كهربائية وإطارات مستوردة.
وحتى لا نستطرد في رسم الوضع المعروف، الذي سيكلّف لبنان ما يقارب أربعين مليار دولار جديدة تضاف إلى الدين العام ونهب الأموال العامة وتحويلها إلى الخارج، نقول أن رئيس الجمهورية مسؤول عما جرى ويجري في البلاد. ومسؤوليته توازي مسؤولية كل أفراد الطبقة المسيطرة الآخرين داخل الحكم وخارجه دون استثناء، الذين لا زالوا يتقاتلون على المناصب والحصص وكيفية توزيعها في ما بينهم، والذين لا زالوا يستقوون بالأجنبي البعيد والقريب ويطالبونه باستلام زمام الأمور.
فالرئيس مسؤول عمّا آلت إليه البلاد في السنوات الخمس الأخيرة؛ ولا يكفي القول بأن هناك من وضع العصي في الدواليب حتى تنتفي المسؤولية عن المسؤول الأول الذي كان بإمكانه فضح ما يجري حوله ورمي قفاز الاستقالة في وجه المعرقلين مترافقا مع الدعوة لعقد مؤتمر تأسيسي وإعادة صياغة الخطوط العامة لنظام جديد في لبنان.
نقول هذا ونحن نعرف جيدا أن لا رئيس الجمهورية ولا أي واحد من الذين تناوبوا على المسؤوليات الأساسية أو الذين بقوا مستمرين في مواقعهم مستعدّ للتنازل عن الكرسي الذي يحتلّه في سبيل إنقاذ الوطن. بل إننا نعرف جيدا أن بإمكانهم العودة إلى الحروب المذهبية والطائفية في سبيل الحفاظ على هذه الكراسي، وهي عودة بدأت تلوح في الأفق الوطني المكفهر عبر تصاريح وتصاريح مضادة لا يخلو بعضها من حشر مقاومة العدو الصهيوني في صراع هو بالأساس على كيفية اقتسام لبنان وشعبه وما اكتشف من ثروات جديدة في بحره. ثروات تثير شهية من بيدهم المسؤولية… علما أنها تكفي، إن كان هناك من يحسن استخدامها، لتأمين نهضة لبنان إلى أبد الآبدين.
نقول هذا ونحن نعرف جيدا أن ما رسمه رئيس الجمهورية من صورة «جهنم» التي تنتظرنا يشكّل توصيفا صحيحا للواقع، بعد أن نفذ المال الاحتياطي دون أن تعمد السلطة إلى استرجاع السرقات، الأمر الذي يعني المزيد من انهيار الليرة وبالمقابل تفلت سعر صرف الدولار، وإقفال المؤسسات ورمي العمال والمستخدمين وعائلاتهم في المجهول، وتمنّع الدولة عن تأمين الرواتب والمعاشات… كل ذلك مترافق مع ندرة المواد الغذائية والطبية والأدوية، وتفشي المرض والموت… خاصة وأن حكامنا خرّبوا ما كان قد تبقى من القطاعات المنتجة في نهاية الحرب الأهلية.
نقول هذا ونحن نعرف جيدا وأن كل المساعدات المقترحة، بدءا بصندوق النقد الدولي ومكوناته من الدول الرأسمالية الكبرى ووصولا إلى عروض تركيا وإيران، لها أجنداتها وأهدافها غير الخفية على أحد. كما نعرف جيدا أن البكاء على الأطلال لا يجدي نفعا، وكذلك الاستمرار في التلهي بشعارات جوفاء أو بتحركات هي أدنى مستوى من المطلوب للانقاذ. بل إنها لا تبعد عن شعبنا خطر «السقوط في الجحيم» بدلا من إسقاط الفاسدين والمفسدين فيه.
ما العمل إذا؟
التحرك السريع من أجل جمع شمل القوى السياسية والنقابية والشعبية الجذرية، وعقد مؤتمر تأسيسي يمثل هذه القوى…
الهدف من المؤتمر التأسيسي؟
إنجاز قيادة وطنية ديمقراطية وصياغة برنامج الحد الأدنى للانقاذ الوطني المستند إلى ركيزتين أساسيتين: صياغة دستور جديد للبلاد يؤكّد وضع مؤسسات الحكم خارج المحاصصات الطائفية (مع ما يترافق مع ذلك من ضرورة صياغة قانون انتخاب ديمقراطي لا طائفي يعيد تشكيل تلك المؤسسات)، وإقرار قانون مدني موحّد للأحوال الشخصية ينهي حالة الشرذمة ويضع البلاد على طريق المستقبل المشرق.

ماري ناصيف – الدبس
بيروت في 25 أيلول 2020