- الأهالي - https://www.hashd-ahali.org/main/ahali -

اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة (2) … بقلم – معتصم حمادة

حركة اللاجئين.. حركة ديمقراطية و مستقلة
@ وفي حزيران (يونيو)2002، قدم الدكتور نبيل شعث، ممثلاً الجانب الفلسطيني المفاوض، إلى الإدارة الأميركية في واشنطن ما اصطلح على تسميته بـ «وثيقة الرؤية الفلسطينية للتسوية النهائية»، ورد فيها نص عن قضية اللاجئين استند في حيثياته إلى «تفاهمات » كامب ديفيد، وإلى مبادرة بيروت العربية، وأخذ بالرؤية الأميركية للحل كما وردت في أكثر من خطاب وتصريح لوزير الخارجية الأميركي كولن باول ورئيسه جورج بوش. وقد تحدثت الرؤية «الفلسطينية» عن «الحل العادل والمتفق عليه لمشكلة اللاجئين يستند إلى القرار 194» وإن ما يتم الاتفاق عليه بين الجانبين يعتبر التطبيق العملي لقرارات الأمم المتحدة بما فيها القرار 194.
@ موافقة الجانب الفلسطيني على«خطة الطريق» باعتبارها الأساس للعملية التفاوضية مع إسرائيل. علماً أن هذه «الخطة» شكلت تراجعاً عن «تفاهمات» كامب ديفيد وعن إطار طابا، حين أشارت إلى قضية اللاجئين دون أي إطار تفاوضي، علماً أن «خطة الطريق» نقلت مفاوضات الحل الدائم من م.ت.ف. إلى الحكومة الفلسطينية، مما حول قضية اللاجئين إلى قضية إقليمية. فالسلطة الفلسطينية باتت معنية فقط باللاجئين المقيمين على أرضها، وكل دولة مضيفة هي المعنية باللاجئين على أرضها، مما جزأ التمثيل السياسي والقانوني للاجئين، وجزأ القضية وبالتالي جزأ الحل، مما يجعل من التوطين أو التهجير مقابل التعويض هو الحل الوحيد للاجئين الفلسطينيين.
@ ومن التحركات الفلسطينية «غير الرسمية»، لكن المشمولة برعاية الجانب الفلسطيني المفاوض، كانت تحركات سري نسيبة (مسؤول ملف القدس في اللجنة التنفيذية في م.ت.ف. لفترة غير قصيرة من الوقت). فتحت شعار «كفاهم تشرداً» دعا نسيبة إلى أن تكون العودة إلى «الوطن»، أي إلى الدولة الفلسطينية، في خطة طويلة الأمد لاستيعابهم وعلى دفعات، مقابل تعويضات وبآليات مختلفة لصالح اللاجئين والدول المضيفة والدولة الفلسطينية. واستند نسيبة في مواقفه إلى «تفاهمات » كامب ديفيد وإطار طابا التفاوضي، ومبادرة بيروت العربية و«وثيقة الرؤية الفلسطينية» المقدمة إلى الإدارة الأميركية. وفي 19/6/2002 وقع نسيبة مع عامي أيالون، الرئيس السابق لجهاز الشاباك، «وثيقة أثينا»، نصت على اعتبار الدولة الفلسطينية هي مأوى اللاجئين والشتات الفلسطيني، وعلى تشكيل الصندوق الدولي، على أن يتولى المجتمع الدولي تأمين «مكان ثالث لتوطين اللاجئين الفلسطينيين» الذين يفضلون عدم الانضمام للدولة الفلسطينية. رعى توقيع الوثيقة خافيير سولانا ممثلاً الاتحاد الأوروبي، وميجل موراتينوس المبعوث الأوروبي للشرق الأوسط، وجورج باناندريو وزير خارجية اليونان، مما أضفى على الوثيقة بعداً دولياً ومنحها صفة شبه رسمية. وقد علق موراتينوس على «الوثيقة» فقال «إن موضوع حق العودة للفلسطينيين لم يعد مدرجاً على جدول الأعمال ولم يعد جزءاً من النقاش العام. وإن هناك تفهماً أن حق العودة يشكل تهديداًَ للطابع اليهودي لدولة إسرائيل. وأنها معركة انتصرت فيها إسرائيل. وكان مؤتمر قمة بيروت العربية بمثابة دليل على ذلك إذ تبنت الدول العربية الأفكار السعودية وقالت إن الحل يجب أن يكون مقبولاً من إسرائيل».
@ ومن الشخصيات الفلسطينية، التي أدلت بدلوها في مسألة الدعوة لإسقاط حق العودة، عضو المجلس التشريعي الفلسطيني (الأول) والوزير السابق لشؤون القدس في السلطة الفلسطينية زياد أبو زياد، الذي التقى في بروج (بلجيكا) مجموعة من الإسرائيليين الباحثين في مركز جافي للدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب، صدرت عن اللقاء وثيقة تدعو إلى حل قضية اللاجئين على الأسس ذاتها لوثيقة أثينا، وتعتمد في الصياغة، وإلى حد بعيد، العبارات ذاتها.
@ من جانبه أدلى ياسر عبد ربه، بصفته وزيراً للإعلام، بتصريح زعم فيه أن الفلسطينيين «مستعدون لحل مسألة حق العودة على أساس خطة كلينتون (التي قدمت لمباحثات طابا) التي تلغي إمكانية عودة اللاجئين إلى داخل إسرائيل». وقد أجاب عبد ربه «بنعم قاطعة» رداً على سؤال فيما إذا كان يوافق على أقوال يوسي بيلين في كلمته في مؤتمر أحزاب الخضر في أوروبا، أكد فيها أن قضية حق العودة إشكالية بالنسبة لإسرائيل، وإن حلها يجب أن يستند إلى خطة كلينتون، وقد علق المراقبون بالقول «إنها المرة الأولى التي يصرح فيها علناً مسؤول فلسطيني رفيع المستوى ويشغل منصباً رسمياً في السلطة بتصريح كهذا» وعلقت «يديعوت أحرونوت» على هذه المواقف بالقول «إن الفلسطينيين يطرحون موضوع حق العودة كورقة مساومة بهدف تحقيق أهداف أخرى لأنهم يدركون جيداً أن أية حكومة في إسرائيل لن توافق على حق العودة».
@ وإذا كان يصح القول أن هذه الإشارات إنما تعبر عن رأي أصحابها، فإن إشارة أرسل بها الرئيس الفلسطيني (السابق) ياسر عرفات يمكن اعتبارها مظلة سياسية تلطى تحتها كل الذين تحركوا في اتجاه التساهل في التعامل مع حق العودة. إذ نشر عرفات في صحيفة «نيويورك تايمز»، مطلع شهر شباط (فبراير) 2002، مقالاً أشار فيه إلى استعداد الجانب الفلسطيني الأخذ بعين الاعتبار ما أسماه «العامل الديمغرافي» عند معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين. كما أرسل عرفات إشارة أخرى لا تقل دلالة عن سابقتها، حين تجاهل قضية اللاجئين تجاهلاً تاماً في خطابه أمام المجلس التشريعي في 15/5/2002 (يوم النكبة) وفي أول إطلالة سياسة شاملة للرئيس عرفات بعد اجتياح آذار (مارس) ـ نيسان (أبريل) 2002. انتقلت بعدها السلطة لتتحدث عن الإصلاح والتغيير لاستقبال الحل السياسي الذي بدأ يطل برأسه في تصريحات الرئيس بوش و«رؤياه». وقد فسرت هاتان الإشارتان، استعداداً فلسطينياً واضحاً وصريحاً للتخلي عن حق العودة لتسهيل الحل بين الجانبين، ولطمأنة إسرائيل حول «مستقبلها كدولة يهودية»، عملاً بتفاهمات كامب ديفيد واقتراحات كلينتون، ومفاوضات طابا.
@ بعد ذلك قفز المفاوض الفلسطيني قفزة كبرى في التخلي، صراحة، سياسياً وقانونياً، عن حق العودة، لصالح القبول بحلول أخرى تتوزع بين التوطين وإعادة التهجير، وقد تمثل ذلك في التوقيع على وثيقة «جنيف ـ البحر الميت». ورغم ما قيل عن أن الوثيقة ليست رسمية، بل هي بين طرفين، فلسطيني وإسرائيلي، غير رسميين، إلا أن الملاحظ، أن الذين ساهموا في صياغتها، من الجانب الفلسطيني، ووقعوا عليها، يحملون الصفة الرسمية، إما كأعضاء في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية (ياسر عبد ربه)، أو كوزراء في الحكومة (قدورة فارس، نبيل قسيس، وهشام عبد الرازق) أو موظفين كباراً في السلطة (اللواء زهير المناصرة محافظ بيت لحم وجبريل الرجوب مدير مكتب الأمن القومي التابع لرئيس السلطة وماهر الكرد وكيل وزارة الاقتصاد والتجارة والمستشار الاقتصادي للرئيس عرفات). مع التنويه، بأن عدداً غير قليل من هؤلاء، يحتل موقعه القيادي في المجلس الثوري لحركة الفتح. وقد تشكل الوفد بقرار رسمي، وحمل تكليفاً خطياً من رئيس السلطة الفلسطينية شخصياً. وقد حرص الجانب الإسرائيلي، في وثيقة «جنيف ـ البحر الميت»، على أن يخص الفقرات الخاصة بقضية اللاجئين وحق العودة باهتمام مميز، بحيث نصت الوثيقة على اعتبار نصوصها، هي النصوص الأخيرة المعنية بالحل الشامل، ولا نصوص بعدها، ولا مرجعية سواها، ولا يجوز للطرف الفلسطيني أن يرفع أية مطالبات إضافية، غير تلك التي تم الاتفاق عليها.
فالمادة 7 من الوثيقة، والخاصة بقضية اللاجئين، لا تتحدث عن حق العودة على الإطلاق، بل عما تسميه «اختيار مكان سكن دائم للإقامة» وأن تكون الأولوية للاجئين المقيمين في لبنان، في إشارة أن لا مشكلة تتعلق باللاجئين في غزة أو الضفة (باعتبارهم فلسطينيين مقيمين على أرض دولتهم) أو المقيمين في الأردن (باعتبارهم مواطنين أردنيين مقيمين على أرض دولتهم أيضاً) أو المقيمين في سوريا (باعتبار أن عوامل دمجهم في المجتمع السوري متوفرة بما فيه الكفاية). وتقدم الوثيقة في هذا السياق حلاً مزعوماً من خمسة خيارات هي: 1ـ دولة فلسطين. 2ـ المناطق في إسرائيل التي يتم نقلها إلى فلسطين من خلال تبادل الأراضي بعد خضوعها للسيادة الفلسطينية. 3ـ دولة ثالثة 4ـ دولة إسرائيل 5ـ الدول المضيفة الحالية. وفي مجرى التطبيق العملي تضيق الخيارات لصالح الخيار الخامس، أي بقاء اللاجئين حيث هم، مع استثناءات محدودة أهمها لبنان. كما يسجل أن اتفاق «جنيف ـ البحر الميت» يلتف على حق العودة، ليسقطه بالنتيجة من خلال ثلاث خطوات متكاملة. فهو يستبدل حق العودة للاجئين بما يسميه الاتفاق «حقوق اللاجئين». وهو يعرف حقوق اللاجئين بخيارات بين حلول، وليس حلاً واحداً هو حق العودة. (وهي حلول ليس من بينها في كل الأحوال حق العودة). وتطبيق الخيارات، كما هي واردة فيه، هو الذي يلبي الحقوق، بحيث تتحدد الحقوق بالخيارات، ولا تتحدد الخيارات بالحقوق. وهذا ما دعا الجانب الإسرائيلي لعدم الممانعة في إدراج القرار 194 في نص الاتفاق، دون تحفظ، طالما أن مرجعية النص هي التي تحدد مضمون القرار وآلياته، بغض النظر عن مدى التوافق أو الانسجام مع بنوده، وبغض النظر عن التفسير القانوني للقرار كما أوردته اللجنة القانونية للأمم المتحدة ما بين عامي 1949 و1950، وكما أورده القرار 2535 ب/د 24 بتاريخ 1/12/1969، الذي أكد أن «العودة» هي واحد من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. وقد أعاد التأكيد على هذا المعنى القرار 3376/د30، الذي قضى في 10/11/1975، بتشكيل لجنة تعنى بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، والتي قدمت، في 24/11/1976، تقريراً حول آلية تنفيذ القرار 194، باعتباره يكفل حق اللاجئين في العودة. وقد أوضحت كل هذه القرارات أن التعويض لا يشكل بديلاً لحق العودة، ولا يلغيه، ولا يسقطه، بل هو مكمل له.
إن المفاوض الفلسطيني، وهو يستبدل «حق العودة» بحقوق اللاجئين، يكون قد تناول القضية من زاوية سياسية عملية (إذا جاز التعبير)، وأسقط عنها منطقها القانوني، وأسقط عنها قرارات الشرعية الدولية وإعلان حقوق الإنسان. وهو بذلك تبنى المقاربة الإسرائيلية لقضية اللاجئين وحق العودة. فالحديث عن خيارات هو التفاف على الحق، لأن خيار اللاجئ ليس حراً، بل هو ملزم بخيارات محددة ليس من بينها حق العودة. وبذلك يكون اتفاق جنيف قد أعفى إسرائيل من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية عن نشوء قضية اللاجئين، وأعفاها من مسؤوليتها عن دفع التعويضات للاجئين عما ألحق بهم من أضرار، وأعفاها من التعويض على الدول المضيفة التي تحملت عبء إقامة اللاجئين على أراضها، وأعفاها من التعويض على اللاجئ عن سنوات لجوئه القسرية، وكذلك عن الممتلكات التي حرم منها. كما ينهي الاتفاق وضعية اللاجئ ومكانته، وينهي المطالبات الفلسطينية بالحقوق في قادم الأيام, ويدعو أيضاً لإنهاء وكالة الغوث. ويقر، في نهاية الأمر، بحق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية.
مع غياب الرئيس ياسر عرفات انتهت مرحلة في حياة النظام السياسي الفلسطيني، لتبدأ، مع عهد الرئيس الجديد محمود عباس، مرحلة جديدة، يمكن القول إنها اختلفت عن السابقة في العديد من ملامحها، من بينها الموقع الذي احتلته قضية اللاجئين في الأجندة السياسية للرئيس الجديد، وموقفه من حق العودة، والحل الذي يتبناه في هذا المجال، وكيفية تقديمه إلى الرأي العام وإلى عموم الحالة السياسية، على الصعد المختلفة الفلسطينية والإقليمية والدولية.
ويمكن، في هذا السياق، أن نلاحظ أن المفاوض الفلسطيني، في عهد الرئيس عرفات، كان يعتمد، في موقفه المعلن من قضية اللاجئين، موقفاً غامضاًَ، لا يتم الإعلان عنه صراحة أمام الشارع الفلسطيني، مما أبقى شعرة معاوية بينه وبين الحالة الشعبية بشكل عام، وتجمعات اللاجئين بشكل خاص، معتمداً إلى جانب الغموض الذي أشرنا إليه، على الموقع «الأبوي» (إن جاز التعبير) الذي كان يحتله عرفات، داخل فتح بشكل خاص، وفي العلاقة مع الحركة الشعبية الفلسطينية بشكل عام.
الخطاب السياسي للرئيس عباس، بما خص قضية اللاجئين وحق العودة، اتسم بالوضوح التام، في إبداء الاستعداد للقبول بالتنازل عن حق العودة، لصالح الحلول البديلة، ملتزماً في كافة المناسبات حدود الموقف الإسرائيلي. لذلك خلت خطابات أبو مازن (وإلى جانبه أحمد قريع)، وبيانات قيادة فتح، من أية إشارة إلى حق العودة، بل اكتفت بالإشارة إلى ضرورة «حل قضية اللاجئين (أو مشكلة اللاجئين) بالاستناد إلى القرار 194». وحتى عندما تتم الإشارة بوضوح إلى العودة، فالعودة تكون إذن إلى «الوطن»، الذي يتم تعريفه بأنه الدولة الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، فأبو مازن، كما هو معروف، من كبار مهندسي اتفاق أوسلو، وهو الذي قام بالتوقيع عليه في 13/9/1993 في واشنطن نيابة عن م.ت.ف. وهو الذي توصل (باسم الجانب الفلسطيني) مع الإسرائيليين إلى الأسس العامة للحل الدائم كما وردت في الوثيقة المعروفة بـ«وثيقة أبو مازن ـ بيلين»، والتي شكلت أساساً رئيساً لكافة المشاريع وسيناريوهات الحلول والتفاهمات الخاصة بقضية اللاجئين وحق العودة، والتي تم التوقف أمام معظمها في الأقسام السابقة من هذه الدراسة.
وفي مراجعة للمحطات الرئيسية التي تناول فيها محمود عباس، ورئيس حكومته أحمد قريع، وقيادة فتح، قضية اللاجئين وحق العودة، بالاتجاه الذي أشرنا إليه أعلاه، في مرحلة ما بعد رحيل عرفات، وتسلم عباس رئاسة السلطة الفلسطينية، يمكن أن نرصد التالي:
@ التزم محمود عباس، في برنامجه الانتخابي لرئاسة السلطة، وفي خطاب القسم أمام المجلس التشريعي، كما في كل مواقفه، وتصريحاته وبياناته، خطاباً سياسياً واحداً، يدعو إلى «حل مشكلة اللاجئين وفقاً للقرار 194». مسقطاً بذلك حق العودة، فلا يأتي على ذكره لا من قريب أو بعيد، متجاوزاً تفسير القرار 194 الذي جرى العبث به من قبل أطراف فلسطينية وعربية. وهو خطاب، كما يتضح من سياقه السياسي، لا يتمسك بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم، بقدر ما يدعو إلى «حل مشكلة»، تقف عائقاً أمام التسوية السياسية التي يطمح الطرف الفلسطيني المفاوض للوصول إليها مع الجانب الإسرائيلي، ضمن سقف منخفض يتجاوز العديد من الحقوق الوطنية الفلسطينية.
@ وإذا ما تجاوز عباس (كممثل للفريق الفلسطيني المفاوض) خطابه السابق، وأشار عرضاً إلى  «حق العودة»، فالعودة تكون إلى «الوطن»، مفسراً الوطن «بجناحيه الضفة والقطاع» وليس الديار والممتلكات التي هجر منها اللاجئون منذ العام 1948. وفي هذه «العودة» المزعومة، إحياء لمشروع كامب ديفيد، وطابا، وأبو مازن ـ بيلين، ونسيبة ـ يعلون، ووثيقة «جنيف ـ البحر الميت». وهي تدعو إلى التخلي عن حق العودة إلى الديار والممتلكات لصالح «العودة إلى الوطن»، تحت سقف مشروع «دولتين لشعبين» مقابل إسقاط حق العودة.
@ وفي الإطار نفسه، لا يتوانى عباس عن الدعوة إلى تجنيس اللاجئين الفلسطينيين بجنسيات الدول العربية المضيفة، كخطوة على طريق التوطين، وإزاحة قضية اللاجئين وحق العودة من طريق التسوية التي يطمح لها. ولم يخفف من وطأة هذه الدعوة الخطيرة، الإدعاء بأنه اقترح التجنيس للحد من مأساة اللاجئين في الدول العربية. ولعل في هذا الإدعاء ما يكشف، مرة أخرى، أن التجنيس هو مدخل للتوطين، وإن كانت ذريعته تخليص اللاجئين من مأساتهم.
@ وإذا ما ورد القرار 194 على لسان الرئيس عباس، فإنه يعيد تفسيره لصالح حق التعويض دون حق العودة، مشدداً على تمسك السلطة بالدفاع عن حق التعويض، كبديل «طبيعي» لحق العودة، الذي أطلقت إشارات ومواقف تؤكد تخلي الجانب الفلسطيني عنه في أية تسوية قادمة.
إن مثل هذه المواقف التنازلية، أسهمت إلى حد كبير في إضعاف القرار 194، في عيون اللاجئين، والمجتمع الدولي، وهو الأمر الذي يدعو إلى إعادة الاعتبار لهذا القرار من زاويته القانونية، شديدة الأهمية، وانطلاقاً من تفسير اللجنة القانونية للأمم المتحدة بكل عناصره، التي لا تلغيها ولا تشطبها ولا تتجاوزها أية مواقف أو اتفاقات قد يوقعها المفاوض الفلسطيني، على حساب حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948.
موقف واشنطن وتل أبيب من القرار 194
شكلت سياسة المفاوض الفلسطيني، ومواقفه التنازلية إزاء حق العودة، فرصة وذريعة للولايات المتحدة وإسرائيل لتصوغا سياسة جديدة إزاء القرار 194، تهدف إلى إضعافه على الصعيد الدولي وإلحاق الأذى بالمصالح الفلسطينية وفي المقدمة حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.
فقبل اتفاق أوسلو، الذي قسم العملية التفاوضية إلى مرحلتين، وأحال قضية اللاجئين إلى المرحلة الثانية المسماة بمفاوضات الحل الدائم، والذي اسقط من نصوصه القرار 194 وأية إشارة إلى حق العودة، كان المندوب الأميركي في الأمم المتحدة، يبادر في الدورة العادية للمنظمة الدولية، وفي خريف كل عام، إلى تبني اقتراح يطرحه على الجمعية العامة، يدعوها فيه إلى إعادة التأكيد على القرار 194، بما يكفل حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم. وكانت الجمعية العامة بإجماع أعضائها، ما عدا امتناع المندوب الإسرائيلي، تصوت لصالح القرار المذكور.
في موقفه لصالح إعادة التأكيد على القرار 194 كان المندوب الأميركي يرسل، إلى اللاجئين إشارة تهدف إلى تهدئة خواطرهم وضمان استقرار الدول العربية المضيفة لهم، ما دام الحل ليس مطروحاً على بساط البحث في منطقة الشرق الأوسط.
بعد التوقيع على اتفاق أوسلو، وبعد ما قرأت واشنطن وتل أبيب أن باب حل الصراع قد فتح على مصراعيه، أعاد المندوب الأميركي والإسرائيلي النظر في موقفيهما من القرار 194، وعلى قاعدة أن إعادة التأكيد على القرار المذكور، منذ الآن فصاعداً، يعتبر استباقاً لنتائج مفاوضات الوضع الدائم. خاصة وأن هذه المفاوضات لم ترسم منحى كل قضية اللاجئين، ولم ترسم له، مرجعاً دولياً أو قانونياً، بل أبقته، رهناً بما يتفق عليه المتفاوضون. من هنا بدأ مندوب الولايات المتحدة يمتنع عن تبني الاقتراح المعهود سنوياً إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. وحلت محله في ذلك المجموعة العربية في الأمم المتحدة وعند التصويت كانت إسرائيل تصوت ضد القرار في سابقة خطيرة تعارضت مع شروط قبولها عضواً في الأمم المتحدة، بينما أخذت الولايات المتحدة تمتنع عن التصويت. ودول أخرى، من بينها دول المجموعة الأوروبية، أخذ مندوبوها يتغيبون عن جلسة التصويت، منعاً للإحراج، وحتى لا يتخذوا موقفاً من القرار المذكور.
صحيح أن القرار 194 ما زال يعاد التأكيد عليه في كل دورة من دورات الأمم المتحدة لكن الصحيح أيضاً أن التطورات التي عرضناها أعلاه، أضعفت القوة السياسية للقرار، وأحدثت تآكلاً في موقعه من العملية التفاوضية، وفي مدى التزام المجتمع الدولي بما جاء فيه عن حق اللاجئين بالعودة.
3ـ اللاجئون وم.ت.ف. والدولة الفلسطينية ومشروع الدستور الفلسطيني
اللاجئون وم.ت.ف.
شكلت ولادة م.ت.ف. منعطفاً تاريخياً في حياة الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية المعاصرة. إذ وفرت الأساس لإعادة بناء كيانيته السياسية التي تم القضاء عليها على يد النكبة الوطنية الكبرى، وفي ظل غياب هذه الكيانية التحق الفلسطينيون كأفراد بالأحزاب والقوى السياسية في المنطقة، دون أن يقود ذلك إلى إعادة بناء الشخصية الوطنية المستقلة للشعب الفلسطيني. المنعطف التاريخي الثاني تمثل في تبني المنظمة لبرنامج النقاط العشر، ثم البرنامج السياسي المرحلي، الذي قطع الطريق على المحاولات الإقليمية لإعادة اغتصاب تمثيل الشعب الفلسطيني، ومحو شخصيته وهويته الوطنيتين.
وقد فتح البرنامج السياسي المرحلي الباب، عربياً ودولياً، للاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
ومما لا شك فيه أن ولادة المنظمة، والاعتراف بموقعها التمثيلي للشعب الفلسطيني، نقلت اللاجئين من كونهم مجرد تجمعات سكانية تعيش في ضيافة عدد من الدول العربية وتحت وصايتها السياسية وهيمنتها الأمنية، إلى كونهم شعب ذي شخصية وطنية مستقلة، يتوحد في انتمائه إلى وطنه، وقضيته،كما يتوحد حول حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمها حق العودة إلى الديار والممتلكات التي هجر منها منذ العام 1948.
وتحت راية م.ت.ف. دخلت قضية اللاجئين مبنى الأمم المتحدة، باعتبارها قضية شعب، وتحت راية م.ت.ف. صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سلسلة القرارات، خاصة القرار 3376/د30، الذي قضى بتشكيل اللجنة الدولية الخاصة بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني. وهي بدورها أعطت التفسير القانوني للقرار 194 باعتباره يكفل حق العودة إلى الديار والممتلكات كمنحى عام لحل قضية اللاجئين الفلسطينيين. وعندما أصدرت م.ت.ف. إعلان الاستقلال في 15/11/1988 نظر اللاجئون إلى هذا الإعلان على أنه خطوة أولى نحو العودة إلى الديار والممتلكات، انطلاقاً من دور م.ت.ف. في توحيد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، والتعاطي معها باعتبارها وحدة واحدة، لا تمييز بين مكون لها وآخر. وكلما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة في م.ت.ف. تحقق نصراً إضافياً، يعزز حقوق الشعب الفلسطيني، على المستويات الإقليمية والمحلية، كلما تعزز موقع اللاجئين في قلب القضية الوطنية الفلسطينية وكلما تعزز حقهم في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.
غير أن المنعطف السلبي في مسيرة المنظمة تمثل في التوقيع على اتفاق أوسلو، وما أحدثه من تداعيات خطيرة لعبت دوراً في تقسيم الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي إضعاف وحدة الشعب الداخلية بعدما لاحظ اللاجئون أن حقوقهم مرشحة لأن تتبخر على يد المفاوض الفلسطيني واستعداده للتنازل عن حق العودة بذريعة تسهيل الوصول إلى الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. لقد أضعف اتفاق أوسلو الموقع التمثيلي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبينت التجربة أنه بقدر ما تحرص المنظمة على صون الحقوق الوطنية كاملة للشعب الفلسطيني، وبقدر ما تصون وحدة هذه الحقوق، بقدر ما يتعزز موقعها التمثيلي والعكس صحيح.
قيام السلطة الفلسطينية في الضفة والقطاع، همش إلى حد ما الدور السياسي للمنظمة. وقد عمقت رئاسة السلطة هذا التهميش حين حصرت في يد رئيس السلطة الكثير من الصلاحيات، كذلك لعب عدد من العوامل دوراً في تعميق هذا التهميش. فرئيس المنظمة هو نفسه رئيس السلطة ورئيس الحكومة ولا فواصل بين صلاحياته الواسعة، وبالتالي كان يملك هامشاً واسعاً من المناورة مكنته من تهميش كل الهيئات لصالح دوره المنفرد. أما أفراد الفريق الفلسطيني المفاوض، باعتبارهم ممثلين لمنظمة التحرير في العملية التفاوضية فقد كانوا يحتلون في الوقت نفسه مواقعهم داخل السلطة كوزراء أو كمسؤولين كبار في الأجهزة الأمنية.
كما أن من العوامل التي لعبت دوراً في تهميش المنظمة لصالح السلطة أن «الثقل المالي» انتقل إلى رئاسة السلطة ومجمل وزرائها ومعها كافة الأجهزة الأمنية والإدارية والخدمية في الضفة وغزة بعدما كانت م.ت.ف. تشكل كياناً معنوياً تسلل الشلل إلى مؤسساتها واتحاداتها الشعبية والمهنية حتى صارت هيكلاً يتآكله القدم ويعشعش في أركانه، الفراغ والبطالة السياسية وفق سياسة واعية مارستها السلطة الفلسطينية.
ورغم التأكيدات اللفظية على أن المنظمة هي المرجع للسلطة وأنها هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن السلطة معنية فقط بالشأن الفلسطيني داخل الضفة والقطاع إلا أن آليات العمل اليومية بقيت تفعل فعلها في نقل مركز الثقل إلى السلطة وفي تهميش م.ت.ف. ودورها التمثيلي.
فاستحداث منصب لرئيس الحكومة مفصولاً عن منصب رئيس السلطة شكل خطوة إضافية على هذا الصعيد، إذ صارت الحكومة ورئيسها هي المعنية بالعملية التفاوضية وليس م.ت.ف. ولذلك ليست صدفة أن يتسلم رئيس الحكومة النص الرسمي لـ«خارطة الطريق» من اللجنة الرباعية، ولا أن يستحدث في مجلس الوزراء منصب جديد هو وزير شؤون المفاوضات، وأن يحل منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية بدلاً من منصب وزير التخطيط والتعاون الدولي، وأدى المنصب الأخير إلى احتكاك مع مهام رئيس الدائرة السياسية في م.ت.ف. الذي يضطلع ـ رسمياً ـ بمهام وزير خارجية دولة فلسطين، وإلى مزيد من تقليص صلاحياته.
ولعل بعض الأطراف الإقليمية كان يشجع مثل هذه التوجهات لأن الحدود التمثيلية للسلطة يقف عند حدود الضفة وغزة بينما تمتد الحدود التمثيلية لمنظمة التحرير لتشمل كافة تجمعات الشعب الفلسطيني فضلاً عن مسؤولياتها عن سائر محاور قضيته الوطنية، وبشكل خاص قضية اللاجئين الفلسطينيين.
وقد شجع مثل هذه التوجهات أطراف دولية كثيرة لأن إضعاف م.ت.ف. يعني إضعاف الكيانية السياسية للتجمعات الفلسطينية في الشتات، الأمر الذي يسهل على مفاوضات الحل الدائم البحث عن حل يقوم على التوطين والتأهيل لقضية اللاجئين خارج منطوق القرار 194.
جولة الحوار الوطني في القاهرة في آذار (مارس) 2005 توصلت إلى التوافق على إصدار ما أطلق عليه «إعلان القاهرة» والذي حمل في طياته قرارات بإدخال إصلاحات على أوضاع السلطة الفلسطينية، وإعادة تفعيل م.ت.ف. بما في ذلك إعادة تشكيل مجلسها الوطني الفلسطيني بالانتخابات وفق مبدأ التمثيل النسبي. كذلك أعيد التأكيد على هذا الأمر في وثيقة الوفاق الوطني في 27/6/2006، والتي حملت تواقيع القوى السياسية كافة وممثلي القطاع الخاص وفعاليات المجتمع المدني والشخصيات الوطنية الفاعلة. وقد أعادت الوثيقة الاعتبار لقضية اللاجئين حين نصت بوضوح على حقهم الثابت بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي هجروا منها منذ العام 1948، كما نصت على التمسك بالقرار 194. ورغم أن بعض الأطراف ما زال يماطل في إطلاق آليات تفعيل مؤسسات م.ت.ف. وتطبيق ما تبقى من قرارات إعلان القاهرة، إلا أن ما تم التوصل إليه أعاد فتح الباب مرة أخرى ليس لإعادة الاعتبار للمنظمة، بل وكذلك لقضية اللاجئين ولحقهم في العودة. مما يؤكد مدى الترابط الوثيق بين تعزيز الدور التمثيلي والسياسي للمنظمة وبين صون حق اللاجئين بالعودة. وهو ما يؤكد في السياق نفسه أن للاجئين المصلحة الأكبر في إعادة أحياء مؤسسات م.ت.ف، وخاصة مجلسها الوطني على الأسس الجديدة المشار إليها، وهو ما يفترض في السياق أن تشكل حركة اللاجئين قوة ضغط شعبية للإسراع بالالتزام بما جاء في «إعلان القاهرة» ووثيقة الوفاق الوطني بشأن م.ت.ف. كما يفترض أن يكون لحركة اللاجئين دور مميز في إنجاح العملية الانتخابية عبر اختيار الشخصيات والكفاءات السياسية الحريصة على صون حق العودة والتمسك به.
اللاجئون والدولة الفلسطينية
دأب المفاوض الفلسطيني، على وضع تعارض بين شروط قيام الدولة الفلسطينية وشروط عودة اللاجئين الفلسطينيين، وصولاً إلى التسليم بالموقف الإسرائيلي الداعي إلى المقايضة بين حق العودة وبين قيام دولة فلسطينية. وأعاد المفاوض الفلسطيني صياغة مفهوم حق العودة باعتباره «عودة» إلى الدولة الفلسطينية وليس إلى المواطن الأصلية للاجئين الفلسطينيين، علماً أن الأساس القانوني والسياسي لقيام الدولة يتعارض مع المفاهيم التي يبثها المفاوض الفلسطيني.
ويحاول المفاوض الفلسطيني أن ينطلق، لتأكيد صحة رأيه (الخاطئ منذ الأساس) بالاستناد إلى إعلان الاستقلال الصادر في 15/11/1988 الذي دعا إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة لكل بنيها. وإلى أن موازين القوى القادرة على إقامة دولة فلسطينية لا تقدر على فتح باب العودة إلى اللاجئين، كما يستند المفاوض الفلسطيني إلى تصلب المفاوض الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة والذي يرفض، بالمطلق عودة اللاجئين إلى مواطنهم الأصلية في مناطق 48.
إن الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، وبحدود الرابع من حزيران (يونيو)، وعاصمتها القدس، ليست، ولن تكون بديلاً لحق العودة. ولا يمكن، وفق منطوق البرنامج الوطني الفلسطيني، المقايضة بين الحق في الاستقلال والخلاص من الاحتلال والاستيطان وبين الحق في العودة. كما أن قيام الدولة المستقلة لا يضع نهاية لمأساة اللاجئين الفلسطينيين، المقيمين على أرض الدولة نفسها، (في الضفة والقدس والقطاع) أم على أراضي الدول العربية المضيفة. لكن قيام دولة فلسطينية من شأنها أن تعزز من مكانة قضية اللاجئين، وحقهم في العودة وأن تشكل قوة إضافية تساند نضالهم من أجل العودة إلى الديار والممتلكات.
فمشكلة المفاوض الفلسطيني تكمن أولاً وقبل كل شيء في قدرته على استجماع عناصر القوة في الحالة الفلسطينية. والخطوة الأولى على طريق استجماع عناصر القوة هذه هي الفصل بين شروط قيام الدولة وبين شروط العودة، والتمسك بالحق في الاستقلال، وكذلك في الحق في العودة إلى الديار والممتلكات، ورفض كل الحلول البديلة. وإذا كان قيام الدولة المستقلة يشكل تعبيراً عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه فإن الشق الثاني لهذا الحق هو في عودة اللاجئ الفلسطيني إلى دياره وممتلكاته، وإلا اعتبر هذا الحق منقوصاً.
من هنا تكمن مصلحة اللاجئ الفلسطيني في قيام الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة، كإنجاز مهم في إطار نجاح المشروع الوطني الفلسطيني، والذي لن يستكمل تطبيقه إلا بضمان حق اللاجئ في العودة إلى الديار والممتلكات. وبالتالي فإن النضال من أجل الدولة المستقلة هو في الوقت نفسه نضال من أجل العودة إلى الديار والممتلكات. كما أن النضال من أجل العودة ورفض التوطين يصب في الوقت نفسه في خدمة قيام الدولة المستقلة كاملة السيادة. وأن أية محاولة لخلق تعارض بين هذين العنصرين المكونين الرئيسيين للمشروع الوطني الفلسطيني، إنما تصب في خدمة الإدعاء باستحالة الفوز بالدولة المستقلة، وبضمان حق العودة في الوقت نفسه.
إن إعادة تفعيل م.ت.ف. وإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني، وفق الأسس الديمقراطية (بالانتخابات وفق مبدأ التمثيل النسبي)هو الذي يشكل ضمانة صون حق العودة، وتكامله مع حق الاستقلال.

اللاجئون ومشروع الدستور الفلسطيني
ابتدأت عملية صوغ الدستور الفلسطيني في سياق الجدل الذي ساد الساحة الفلسطينية مع انتهاء الموعد الزمني المفترض للمرحلة الانتقالية في اتفاقيات اوسلو في 1/5/1999. ورغم تضارب وجهات النظر حول احتمال انعقاد هذه المفاوضات، فإن الاجتهادات التقت عند ضرورة إعداد القالب الدستوري للدولة الفلسطينية العتيدة باعتباره أحد التحضيرات التي لا غنى عنها لقيام هذه الدولة على الأرض. وتشكلت لهذا الغرض لجنة كلفت بإنجاز مسودة للدستور الفلسطيني بالتعاون مع جامعة الدول العربية، وقد أنجزت اللجنة حتى الآن المسودة الثالثة لمشروع الدستور، طرحت في السياق سلسلة من الأسئلة تتعلق بقضايا اللاجئين والعودة. أهمها بالنسبة لنا، الدولة و م.ت.ف. وحقوق اللاجئين. فقيام الدولة يجب ألا يكون المحطة الختامية في مسيرة التحرر الوطني للشعب الفلسطيني، لأنه لن يضمن ـ بالضرورة ـ حلاً شاملاً للقضية الفلسطينية بمختلف جوانبها. ولأن الأمر كذلك فإن قيام الدولة لن يلغي تلقائياً الحاجة الموضوعية إلى استمرار بقاء م.ت.ف كإطار موحد للشعب الفلسطيني وحركته الوطنية التحررية. والإقرار بهذه الحقيقة يملي التمييز بين مؤسسات الدولة ومؤسسات م.ت.ف. فالمنظمة هي الإطار الأشمل الذي يوحد الشعب الفلسطيني كله ويعالج حقوقه الكاملة وقضيته الوطنية بكل جوانبها. والإقرار بهذه الحقيقة يملي أيضاً التمييز بين الهوية الفلسطينية (أي الانتماء إلى الشعب الفلسطيني) وبين جنسية دولة فلسطين.. كما أن الاقرار بهذا المبدأ يساعد أيضاً في حل معضلة علاقة الدستور بحقوق اللاجئين.
غير أن مسودة الدستور تقدم إجابات تختلف عن المنحى الذي أشرنا إليه أعلاه. فالمشروع يلحظ وجود «المجلس الاستشاري» كإحدى هيئات الدولة الفلسطينية وكأنه الإطار المعني بالتمثيل الفلسطيني الشامل«من داخل فلسطين وخارجها». وهي جملة لافتة لاعتمادها لصيغة محايدة لا تراعي خصوصية «الشتات» الفلسطيني كقضية قائمة بذاتها ولتجنبها استعمال كلمة «اللاجئين» التي تحمل مدلولاً واضحاً يضيئ على قضيتهم.
فالمادة 109 تنص على ما يلي« ينشأ بموجب هذا الدستور مجلس استشاري يتكون من مائة وخمسين عضواً يكون له شخصية مستقلة، وتراعى في تشكيله نسب التوزيع السكاني الفلسطيني في داخل فلسطين وخارجها. وينظم القانون شروط وطريقة انتخاب أعضائه أو تعيينهم حسب البلد المقيمين فيه». «ولرئيس الدولة أن يعين أعضاء المجلس الاستشاري ممن لا يحملون الجنسية الفلسطينية، بما لا يتجاوز عشرة أعضاء ممن تميزوا بتقديم خدمات جليلة للقضية الفلسطينية». من هذا يتضح أن مشروع الدستور يتوجه لإضفاء طابع التمثيل الشامل على المجلس الاستشاري. فهو يضم ممثلين عن الداخل والخارج ويراعي أيضاً تشكيله حسب التوزيع السكاني بين جناحي الشعب الفلسطيني وكذلك خصوصية بعض الخارج التي قد لا تسمح باعتماد أسلوب الانتخابات في جميع مواقعه. إلى هذا تفترض المادة 109 أن الفلسطينيين في الخارج ـ بشكل عام ـ يتمتعون بالجنسية الفلسطينية، و لا يغير استثناء عشرة أعضاء ممن لا يحملون الجنسية الفلسطينية من هذه الحالة العامة كثيراً. فالاستثناء ينطبق على شخصيات عربية وأممية قدمت «خدمات جليلة للقضية» وهو أمر مألوف في تاريخ حركات التحرر الوطني. وفي الوقت نفسه قد يراعي هذا الاستثناء واقع شخصيات فلسطينية لا تحمل ـ لأسباب شتى ـ الجنسية الفلسطينية.
أما المادة 110 فهي تحدد نطاق عمل« المجلس الاستشاري الذي يختص»: بدراسة القضايا الاستراتيجية العامة وتقديم المقترحات بشأنها. بتقديم الاقتراحات في كل ما يتعلق بالحقوق الوطنية وسلامة التراب الفلسطيني وحقوق الفلسطينيين في الخارج. بمناقشة التعديلات الدستورية وإبداء الرأي بما يقترح منها. بما يحيله رئيس الدولة إلى المجلس من موضوعات تتعلق بالسياسة العامة في الشؤون العربية والدولية لدولة فلسطين. بمشروعات القوانين التي يحيلها رئيس الدولة إليه المتعلقة بالفلسطينيين في الخارج وبما يقرر أعضاء المجلس طرحه للنقاش في جدول أعماله. الإشارة الأولى إلى حقوق الفلسطينيين في الخارج، التي ترد في سياق محدد يضعها على سوية قضايا جوهرية «كالحقوق الوطنية» وسيادية «كسلامة التراب» الوطني. تضفي على هذه الحقوق مدلولاً وطنياً وسياسياً بوجهة حق اللاجئين في العودة لكن دون النص الصريح على ذلك وبما لا يتجاوز حدود تقديم الاقتراحات. أما الإشارة الثانية حول مشروعات القوانين.. المتعلقة بالفلسطينيين في الخارج، فليست ذات صلة بحق العودة، بل بتنظيم أحوال هؤلاء وعلاقتهم بالدولة الفلسطينية.
من الصعب ألاّ تولد القراءة المتأنية للمادتين 109و110 انطباعاً قوياً بأن المجلس الاستشاري ليس هو الهيئة المقترحة بديلاً لمنظمة التحرير الفلسطينية. سواء فيما خص تمثيل الشعب الفلسطيني بأسره (على غرار المجلس الوطني) أو بأداء بعض الوظائف كما أشرنا. لكن الفارق بين التشكيلتين هائل: فالمنظمة تشكل إطاراً سياسياً تنظيمياً كاملاً أشبه بنظام سياسي موزع ما بين الوطن والشتات. وهي تمثل الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وتحتل الموقع السياسي المقرر في مصير القضية الفلسطينية بأسرها. أما المجلس الاستشاري وإن كان يضم شخصيات من داخل فلسطين وخارجها. إلا أن موقعه التمثيلي يبقى ناقصاً لأن صلاحياته مرسومة عند حدود تقديم التوصيات وليست اتخاذ القرارات. كما أن توصياته ليست ملزمة لأحد، بقدر ما هي محاولة لمساعدة المشرع الفلسطيني على التنبه لطبيعة الحالة الفلسطينية وخصوصياتها، لكن دونما الإفصاح صراحة عن واقع الشتات وحق العودة للاجئين.
إن قراءة مشروع الدستور على خلفية تطور العلاقة بين السلطة الفلسطينية وم.ت.ف. وتهميش السلطة للمنظمة ودورها، تخلق انطباعاً قوياً بان مؤسسات الدولة ستقام على حساب مؤسسات م.ت.ف. سواء في سياق تناول وظيفة المجلس الاستشاري التمثيلية بالتعاكس مع دور المؤسسات التمثيلية في م.ت.ف وعلى حسابها، أو في سياق ما ورد في المادة 13 من الدستور التي ـ بجانب منها ـ تتناول دور الدولة الفلسطينية «في متابعة السعي لتنفيذ الحق المشروع للاجئين الفلسطينيين في العودة لديارهم..» التي هي المهمة الموكلة بشكل طبيعي إلى منظمة التحرير. و لا يمكن تجاوز هذا النزوع الاحلالي الذي ينطوي عليه مشروع الدستور مع م.ت.ف. ومؤسساتها إلا من خلال الإقرار الصريح بالحاجة الموضوعية ـ نظراً لخصوصية المسألة الوطنية الفلسطينية ـ إلى استمرار بقاء م.ت.ف كاطار موحد وفاعل للشعب الفلسطيني وحركته التحررية قبل قيام الدولة وبعدها، إلى أن تحل القضية الفلسطينية بمختلف جوانبها والثبات على هذا الموقف في مواجهة الضغوط الخارجية. إن الاقرار بالحاجة إلى استمرار بقاء م.ت.ف. انطلاقاً من التمايز في المهام بإطار متكامل بين الدولة و م.ت.ف،  وما يمليه ذلك من تمييز واضح بين مؤسسات كل من التشكيلين يترتب عليه عدم إدراج مؤسسات في هيكلية الدولة(على غرار المجلس الاستشاري) تضطلع بمهام منوطة أصلاً بالمنظمة. إن م.ت.ف. هي الإطار الأشمل الذي يوحد الشعب الفلسطيني كله ويعالج حقوقه الكاملة وقضيته الوطنية بكامل جوانبها. لذلك فإن وثائق المنظمة(ميثاقها ونظامها الأساسي) هي التي ينبغي أن تعالج العلاقة بين مؤسسات الدولة ومؤسسات م.ت.ف فيبقى التمثيل الشامل للشعب الفلسطيني في إطار م.ت.ف. مؤسسياً، وكذلك الأمر بالنسبة لقضية اللاجئين وغيرها من القضايا التي تطرح نفسها في مجرى العملية النضالية المتواصلة بعد إقامة الدولة المستقلة. إن معالجة وثائق م.ت.ف للعلاقة بين مؤسساتها ومؤسسات الدولة هو الذي يجنب الفلسطينيين البلبلة والالتباسات التي يثيرها تعاطي دستور الدولة مع هذا الموضوع.