- الأهالي - https://www.hashd-ahali.org/main/ahali -

في نقاش العالم بعد كورونا ..لميس أندوني

كلنا يريد النجاة من الجائحة، نعيش في خوف ورعب، وننتظر نهاية الأزمة الكابوس. ولكن على ماذا سوف نستفيق في اليوم التالي، إذا صحّ التعبير، بعد مواجهة الوباء؟ وفقا لمنظمة العمل العالمية، فإننا سنجد أنفسنا، حتى قبل زوال خطر كورونا، أمام شبح الفقر والبطالة وانهيار أنظمة اقتصادية، فالمنظمة تتوقع أن يفقد العالم 195 مليون وظيفة دوام كامل، منها خمسة ملايين في العالم العربي، أي أننا سوف ننتقل إلى مسلسل رعب، فوحش الفقر ليس أقل فتكا من فيروس كورونا.
يتحدث مفكرون غربيون عن قيام عالم دولي جديد، وعن إمكانية خسارة الولايات المتحدة مكانتها قوة عظمى لصالح الصين، ولذا نرى أن جزءا مهما من “المعركة” لإيجاد لقاح ودواء لهزيمة كورونا هو منافسة على تثبيت الولايات المتحدة في قيادة العالم، ونرى واشنطن مستمرّة في محاولة تحجيم نفوذ إيران، فالأولوية هي الحفاظ على الهيمنة. ونقرأ مقالاتٍ كثيرة عن كيفية الحفاظ على “النموذج الديمقراطي” واقتصاد السوق لإنقاذ العالم، أي إنقاذ النظام الاقتصادي العالمي. وتقتصر معظم دعوات التغيير على ضخ الأموال في السوق والصناعات الكبيرة والمؤسسات لمنع انهيار اقتصادي، والدخول في كساد أسوأ من أي أزمة اقتصادية في التاريخ الحديث.
هناك اعتراف بفشل النظام القائم، وضرورة إحداث تغييرات من دون أن تكون جذرية، ولكنه

اعتراف مهم بأن النظام السياسي الاقتصادي العالمي لا يمكنه البقاء كما هو، فالجائحة وجّهت ضربةً، قد تكون قاصمة، إلى أغلب القطاعات، فيما عدا صناعات الأدوية ومواد التعقيم، وإلى حدّ ما الغذاء والزراعة، ما يعني جيوشا من العاطلين عن العمل، مع ما يعنيه ذلك من غضب وفقر ويأس وانهيار مجتمعي وقلاقل سياسية.
وقد أدى الانهيار الاقتصادي في ثلاثينيات القرن الماضي إلى كبح جماح اقتصاد السوق، وإلى أن تستعيد الدولة جزءا من مسؤولية الرعاية الاجتماعية، وهو النموذج الذي وضعه الاقتصادي جون مانارد كينز، وسمّي الصفقة الجديدة، واستمر إلى أوائل الثمانينيات، حين قادت إدارتا الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر في بلديهما هجمة منظمة لتدميرها لصالح اقتصاد السوق، ولذا ثمّة دعوات كثيرة الآن إلى العودة إلى منظومة الضمان الاجتماعي لحماية فئات واسعة من الانهيار الاقتصادي.
المشكلة أن هناك انشغالا بالنقاش بشأن ضرورة انتصار “النموذج الديمقراطي”، وجوهره اقتصاد السوق في وجه النموذج الصيني، قد يعمي الإدارة الأميركية واليمين المهمين عليها عن فهم حجم الأزمة الاقتصادية، فادعاء الحفاظ على الديمقراطية ليس صادقا تماما، ففي مقال في صحيفة نيويورك تايمز، اتهم الاقتصادي الأميركي الحائز جائزة نوبل، بول كروغمان، الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتهديم الديمقراطية الأميركية، محذّرا من أن هذه الديمقراطية تموت.
مصيرنا لا تحدّده جائحة كورونا على عدوانيتها، بل نظام ينهار ويريد أن يتشبث بسيطرته، فالولايات المتحدة لا تريد أن تقبل أنها قد لا تستمر في صدارة نظام العولمة، ولكن جائحة كورونا كشفت حدود قوتها. يقول المفكر جوزيف ناي، وهو منظر ما يسمّى استعمال “القوة الناعمة”، إن خطر الوباء واستفحاله أثبتا أن الولايات المتحدة لا تستطيع وحدها أن تحافظ على أمنها، بل تحتاج إلى المشاركة والتعاون مع الآخرين. وعليه، يدعو ناي إلى ضرورة إيجاد استراتيجية جديدة، فلن تستطيع الولايات المتحدة الاستمرار بتعريف قوتها بسيطرتها على شعوب أخرى، بل بمشاركة هذه القوى مع الشعوب الأخرى، خصوصا في مواجهة الأخطار العابرة للحدود، مثل الجوائح والتغيير المناخي. ولا يوضح ناي آلية هذه المشكلة، وإن كان لدول الجنوب أو للأمم المتحدة دور في محاولة إنتاج مفهوم قوة جديدة، لكن ذلك أيضا اعترافٌ مهمٌّ بفشل استراتيجية هيمنة القوة الواحدة.
لافتٌ أن أيا من المفكرين والباحثين في مشاركاتهم التي نشرتها مجلة فورين بوليسي بآرائهم عن العالم بعد كورونا، لم يشر إلى خطر البطالة العالمية والفقر، ربما لأنهم، باستثناء المختصة شؤون الصحة العامة،

الكاتبة لوري غاريت، من غير ناقدي النظام الرأسمالي العالمي، وإن كانوا يريدون إدخال إصلاحات عليه، لذا لم تتناول الأجوبة الكارثة الإنسانية المقبلة، فالتركيز دائما على مفاهيم القوى المهيمنة وصراعاتها، وليس على الشعوب، إلا إذا أصبحت خطرا على مفاعيل القوة المهيمنة. ومن هذا المنظور، فإن تحذير منظمة العمل الدولية بالبطالة القادمة يجعل هذه البطالة خطرا أمنيا قبل كل الاعتبارات. وبالتالي، الخوف هو من مرحلة قمع عالمية والاتجاه نحو أحكام عرفية معلنة وغير معلنة في غياب الحلول، خصوصا إذا حاولت المؤسسات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، منع حكومات الدول الأضعف من تغيير مسارها، واستعادة دور الدولة في الرعاية الاجتماعية لتخفيف الوطأة، والحدّ من توسع الفقر والجوع.
إذا صحّت توقعات اهتزاز الدور الأميركي، هل سنرى تخفيفا لضغوط هذه المؤسسات الدولية؟ وهل تبادر الصين إلى تأسيس تحالف سياسي اقتصادي يردع توحش هذه المؤسسات، وإنْ بغرض إضعاف الولايات المتحدة؟ في كل الأحوال، دول كثيرة، منها أغلب الدول العربية، لن تكون قادرةً على تنفيذ الشروط المطلوبة منها إلا بفرض أحكام عرفية، ودول عديدة عرضة لانفجار حروبٍ أهلية. وفي مداخلته في “فورين بوليسي”، رأى الباحث والدبلوماسي السابق، ريتشارد هاس، أن عالم ما بعد كورونا سيشهد مزيدا من “الدول الفاشلة”، والسؤال: هل سيدع نظام ما بعد كورونا الدول الضعيفة إلى مصيرها، خصوصا أن احتمال استمرار هجوم فيروس كوفيد – 19 موسميا، حتى بعد احتواء الوباء، وارد؟
يقول المفكر الأميركي العالمي التأثير، نعوم تشومسكي، إننا قد نرى تفكيكا للنظام القائم، وفرصة لإعادة تركيبه، ويحذّر من أن الأمور قد تذهب في عدة اتجاهات في مرحلة التفكيك، من استفحال الدكتاتورية العالمية والمحلية، إلى النقيض من بداية انفتاح إنساني، أي أننا بصدد مرحلة تشكيل جديد. ولكن إن كانت كلمات تشومسكي باعثة للأمل، إلا أنها أيضاً تنبئ بمخاض صعب.
الأمل في أن التجربة الصعبة قد تدفع الجميع في العالم العربي إلى العودة إلى مشاريع منسية لتحقيق تكامل اقتصادي، فترك الدول الأفقر تنهار لن يحمي الدول الثرية، ولكن ما نرى من تبديد لأموال النفط، ولعبة محمد بن سلمان النفطية ضد روسيا، لا يشيان بعودة تضامن قريبة، فالعبء يقع على حكومات وأنظمة تاهت في مسار التبعية بدل فتح الباب لمشاريع إنقاذ وطني تنقذ البلاد والشعوب من فيروس تفكك مجتمعي قادم.