- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

عن مؤتمر باريس

محمد السهلي

انفض سامر المؤتمرين في باريس بعد أن أعادوا التأكيد على «حل الدولتين» عبر المسار التفاوضي نفسه الذي أوصل الفلسطينيين إلى الحائط المسدود بعد ربع قرن من الدوران حول الذات.
وما خرج به المؤتمرون في بيانهم الختامي كان متوقعاً ربطاً بالأفكار الفرنسية التي شكلت أساساً لانعقاده، وما خضعت له من «تقليم» على يد الضغوط الأميركية والإسرائيلية.
ومع ذلك، هناك من رحب بانعقاد المؤتمر وما صدر عنه، وكان واضحاً أن هذا الترحيب يأتي في سياق استمرار الرهان الفاشل على مبادرات سياسية اتضح منذ إعلانها أنها تهبط عن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ولا تشكل أساساً صالحاً لحل متوازن للصراع يغفل تجسيد هذه الحقوق.
على كلّ، كان البيان الختامي الصادر عن المؤتمر واضحاً في تأكيد ما سبق، وإن حاول في بعض العبارات أن يوحي عكس ذلك.
اللافت في ردّات الفعل حول المؤتمر وقراراته هو الترحيب الإسرائيلي بخلو البيان الختامي من أية توصيات موجهة إلى الأمم المتحدة وعلى نحو خاص مجلس الأمن، لبحث القضية الفلسطينية، وهو ما اعتبره مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، يوفال روتيم «إنجازاً حقيقياً».
لقد فهمت تل أبيب، على الرغم من رفضها المبادرة الفرنسية، أن المؤتمر يقصي أي دور للأمم المتحدة. وهذا بحد ذاته يشكل تطابقاً مع الموقف الإسرائيلي الذي ينظر بتوحش شديد إلى أي مسعى باتجاه المنتدى الدولي.
وعلى الرغم من أن القائمين على المؤتمر يحاولون تصويره بأنه مؤتمر دولي يضع القضية الفلسطينية في واجهة الاهتمام، إلّا أن تغيب قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة عن أسس انعقاده يجعل منه مجرد لقاء دولي موسع ربما، وخاصة مع افتقاد قراراته لأية آليات تنفيذ؛ وهو ما كان واضحاً من خلال الترحيب الشكلي بالقرار الأممي الذي أدان الاستيطان.
وما قيل عن بيان «مؤتمر باريس» الذي انعقد في أيار/ مايو من العام الماضي يصح حول نسخته الجديدة من ناحية أن المحطتين مسقوفتين بالموقفين الأميركي والإسرائيلي. ويتضح ذلك من خلال مساواة البيان الختامي ما بين الاستيطان وبين مقاومته، لذلك فإنّ الرهان من قبل البعض على إمكانية أن يشكل هذا المؤتمر خرقاً للسقف الإسرائيلي ليس سوى وهم، وتعدى الأمر ذلك بعد أن كشفت الإذاعة الإسرائيلية أنّ الاتصالات السياسية المكثفة التي أجراها نتنياهو أدّت إلى تخفيف «حدّة بيان باريس بشكل ملحوظ».
لم يفعل مؤتمرو باريس شيئاً جديداً على صعيد التسوية، فهم أبقوا على مستقبل الحقوق الوطنية الفلسطينية رهينة الشروط الأمنية والتوسعية الإسرائيلية من خلال تأكيدهم على ضرورة إحياء المفاوضات الثنائية. ومع إبقاء قرارات الشرعية الدولية خارج التداول، يصبح هذا المستقبل موجهاً بمؤشر عدم توازن القوى على الأرض بين الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال وبين الترسانة العسكرية التي يتمتع بها الاحتلال بالإضافة إلى الحماية والدعم من قبل حلفائه وعلى نحو خاص واشنطن. ومع ذلك، يصرّ المؤتمرون في باريس على مخاطبة الفلسطينيين كطرف ندي في مواجهة الاحتلال، ويطالبونه بعدم القيام بأيّة خطوة من جانب واحد، وكأن الاستيطان ترجمة لقرارات دولية وليس عدواناً متواصلاً على الشعب الفلسطيني وممتلكاته ومستقبله الوطني، وبالتالي فإنّ أيّ رهان على هذا المؤتمر وأمثاله من الصيغ الهابطة إنّما يدفع بهذا المستقبل نحو المجهول.
بالمقابل، ثمّة طريق واضح شقّه الفلسطينيون نحو الأمم المتحدة وأثمر إنجازات مهمة تشكل عتبة نحو إنجازات أوسع. فالاعتراف الأممي بفلسطين دولة تحت الاحتلال على حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967 وعاصمتها القدس يفتح على إمكانية الاعتراف بها دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة. وقبول فلسطين في عدد واسع من المؤسسات الأممية يفتح بالضرورة على إمكانية محاسبة الاحتلال على جرائمه أمام محكمة الجنايات الدولية وفي إطار اتفاقيات جنيف الأربع وملحقاتها. ولقد ثبت بالملموس أنّ فتح جبهة مقارعة الاحتلال سياسياً ودبلوماسياً عبر الانفتاح على المجتمع الدولي ومؤسساته الأممية حصد إنجازات مهمة لصالح حقوق الشعب الفلسطيني، وهو ميدان رحب يستطيع فيه أصدقاء الشعب الفلسطيني نجدته، بعكس الوضع عندما تكون زاوية حلبة التفاوض الضيقة هي المجال الوحيد المتاح أمام حركة الفلسطينيين.
وأمام الفلسطينيين سلاح الإجماع الوطني في ما قرره المجلس الفلسطيني المركزي في شهر آذار/ مارس من العام 2015، وقد وضعت هذه القرارات بوصلة لتصويب السياسات القائمة بدءاً من الدعوة للوقف الفوري للتنسيق الأمني مع الاحتلال مروراً بإنهاء الانقسام وصولاً إلى إنهاض المقاومة الشعبية وحمايتها، وإلى تصويب العملية السياسية باتجاه رهن قبول التسوية باستنادها إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.
لذلك، فإنّ وقف المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة عند عتبة ما أنجز يفقد هذا الإنجاز قيمته العملية ويحوله إلى فوز رمزي بلا فاعلية على الأرض، وهذا ما يريده الاحتلال. ولقد شهدنا ضغوطاً أميركية وإسرائيلية على الجانب الفلسطيني على مرحلتين، الأولى لمنع الوصول إلى الأمم المتحدة وقد فشلت واشنطن وتل أبيب في ذلك، والثانية لتجميد المسعى عند صدور ترقية وضع فلسطين في الأمم المتحدة والانتساب إلى مؤسسات دولية دون تفعيل هذه العضوية في رفع دعاوى ضد الاحتلال بسبب جرائمه بدءاً من الاستيطان والتهويد مروراً بحملات القتل والاعتقال والتنكيل؛ ويبدو أنّ هذه الضغوط ناجحة حتى الآن. وهذا ما يشير إليه على الأقل الوقوف في منتصف الطريق بعد حصد تلك الإنجازات في الأمم المتحدة.
بالمحصلة، لا يبتعد مؤتمر باريس كثيراً عن الشروط الأميركية والإسرائيلية تجاه الآفاق المسموح بها للفلسطينيين في سياق السعي لتجسيد حقوقهم، وهو من خلال حشد الحضور في إطاره، إنّما يحاول أن يقطع الطريق أمام الفلسطينيين نحو اللجوء إلى الأمم المتحدة. فهو من هذا الجانب يبعث لهم برسالة مفادها أنّ هذا الحضور الدولي لن يقف معكم كما حصل في السابق في حال فكرتم أن تخرجوا عن إطار التسوية بشروطها القائمة وتعيدوا التوجه نحو الأمم المتحدة ومؤسساتها. وبذلك، يتحول عملياً المؤتمر من عنوان لإنهاء الاحتلال إلى جهاز دولي للضغط على الفلسطينيين كي لا يخرجوا عن «المسار» المفروض عليهم.