- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

سؤال الوحدة

محمد السهلي
الأزمات المتوالية والمتراكمة التي يعانيها قطاع غزة، ومنها أزمة الكهرباء مؤخراً، تؤكد مجدداً حجم التداعيات الكارثية لاستمرار الانقسام. وبدلاً من أن تتم مواجهة هذه الأزمات والبحث في حلها، يصبح كل منها عنوانا لتجاذبات جديدة بين طرفي الانقسام.
وإذا كان الاحتلال الإسرائيلي يتحمل المسؤولية الأساس فيما يعانيه أهل القطاع، إلا أن غياب العمل الفلسطيني الموحد ساهم من تفاقم تأثير الحصار على الحياة في غزة بكافة مناحيها؛ في ظل الفشل المتواصل في تنفيذ قرارات الحوارات الوطنية الشاملة بسبب التمسك بالسياسات الفئوية والمصالح الضيقة.
ومع ذلك، عندما التأم عقد اللجنة التحضيرية لانعقاد دورة المجلس الوطني في العاشر من الشهر الجاري، وبحضور الجميع بدا أن فرصة إنهاء الانقسام لا تزال ماثلة في المشهد السياسي الفلسطيني.
منذ وقوع الانقسام، تعاملت الحكومة الإسرائيلية مع الحالة الفلسطينية عبر مسارين متوازيين. فعند كل عقدة في مسلسل المفاوضات كانت تشكك بوجود شريك فلسطيني بالتسوية تحت يافطة أن المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية لا «تمون» على عموم الوضع الفلسطيني في ظل وجود سلطتين في كل من رام وغزة وتعاملت مع قطاع غزة كـ «كيان عدو» لتصعد منذ ذلك الوقت حربها العدوانية على القطاع وأهله، معبئة الرأي العام الإسرائيلي بـ«بالخطر القادم من الجنوب».
واعتبرت الحكومات الإسرائيلية أن أبرز الإنجازات التي حصدتها ولا تزال من وقوع الانقسام الفلسطيني، هي «استراحتها» من مواجهة مفتوحة مع الحالة الفلسطينية في ظل غياب البرنامج الفلسطيني التحرري الموحد، بعكس ما كان الأمر عليه مع اندلاع الانتفاضة الكبرى في العام 1987 وما حصدته من مكاسب على صعيد تظهير القضية الفلسطينية مجدداً والاعتراف الأممي الواسع بإعلان استقلال فلسطين الذي صدر عن المجلس الوطني بعد اندلاع الانتفاضة بنحو عام.
ومنذ وقوع الانقسام، ربما لم تشعر دولة الاحتلال بالقلق الجدي إلا عندما يحصل إجماع وطني على تجاوز السياسات الانتظارية وحالة التردد اللتان وسمتا السياسة الرسمية الفلسطينية، وخاصة عندما أطلق المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين وصدور القرار بذلك في خريف العام 2012. وجوهر القلق الإسرائيلي يكمن في الخطوة الفلسطينية التي شكلت تصويباً للبوصلة التي انحرفت عن مسار البرنامج الوطني من خلال اتفاق أوسلو وعملية التسوية التي أطلقت بعد توقيعه.
وشعرت بالقلق كذلك، عندما اتخذ المجلس المركزي الفلسطيني قرارات متقدمة في دورته التي انعقدت في آذار /مارس من العام 2015. وفيها تصويب جوهري للسياسات الرسمية الفلسطينية، وخاصة عندما أكدت هذه القرارات على القطع مع التسوية إذا لم تستند إلى قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ودعت إلى وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، وإطلاق المقاومة الشعبية وحمايتها وتطويرها.
وكان واضحاً، ومنذ وقوع الانقسام، أنه كلما تقدم الفلسطينيون خطوة باتجاه انهائه، صعدت الحكومات الإسرائيلية من ضغطها السياسي واعتدائها العسكري، من خلال الحروب المتكررة على قطاع غزة والاقتحامات وعمليات الدهم والاعتقال الواسعة في الضفة؛ من موقع إدراكها أن نجاح الفلسطينيين في إنهاء الانقسام وتوحيد البرنامج الوطني يمكنهم من الوقوف بقوة أكثر في وجه سياساتها التوسعية والعدوانية، ويفتح الطريق أمامهم لإنهاض مقاومتهم للاحتلال سياسياً وشعبياً وكفاحياً.
المشكلة في العوامل التي كانت تساهم في تخفيف القلق الإسرائيلي وتهدئته، بسبب توقف المساعي في تصويب الأوضاع الفلسطينية عند الخطوة الأولى. فقرارات الحوارات الوطنية الشاملة لم تنفذ، إن كان على صعيد إنهاء الانقسام أم على صعيد إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية والخلاص من حالة الترهل والعجز التي يعانيها.
والأمر ذاته فيما يتعلق بقرارات الإجماع الوطني، عندما توقف المسعى الفلسطيني نحو الأمم المتحدة عند حدود قرار ترقية وضع فلسطين في المنتدى الدولي والاعتراف بها دولة تحت الاحتلال بحدود الرابع من حزيران /يونيو 1967 وعاصمتها القدس، وعند حدود عضوية عدد مهم من مؤسسات الأمم المتحدة وخاصة «الجنائية الدولية» واتفاقية جنيف الرابعة؛ ولم تفعل هذه العضوية بتقديم شكاوي ضد الاحتلال على جرائمه وفي المقدمة الاستيطان. والسبب في ذلك استمرار الرهان على التسوية بقواعدها التي انطلقت على أساسها بعد توقيع اتفاق أوسلو؛ والنزول عند الضغوط الأميركية والإسرائيلية في تجميد الخطوات التالية لما بعد الانتساب للمؤسسات الدولية.
من نافل القول إن التقدم على سكة الأهداف الوطنية يحتاج إلى وحدة مكونات الحالة الفلسطينية تحت راية البرنامج الوطني التحرري، لكن هذه القاعدة الأساسية في قوانين حركات التحرر الوطني تزداد أهمية مع التطورات العاصفة التي تشهدها المنطقة وتراجع الاهتمام الدولي والإقليمي بالقضية الفلسطينية، وهو أمر تستغله دولة الاحتلال من زاويتين. الأولى في تصوير ما تتعرض له على يد شبان الانتفاضة الشبابية على أنه إرهاب وأن ما تقوم به تجاههم من إعدامات ميدانية إنما هو ضمن الحملة ضد الإرهاب التي تعددت أطرها ودخلت في غرفة عملياتها الكثير من مكونات المجتمع الدولي الرئيسية، والثانية في التغول في الاستيطان والتهويد بعد أن أقفلت باب التسوية إن لم تجر بشروطها الاحتلالية.
وعلى الرغم من الإنجازات التي تحصل لصالح الفلسطينيين، ومنها قرار مجلس الأمن مؤخراً ضد الاستيطان، إلا أن البناء على هذه الإنجازات يحتاج حضور الحالة الفلسطينية الموحدة التي يمكن بوحدتها أن تستعيد المبادرة كعامل مؤثر في المعادلة السياسية القائمة في المنطقة وخارجها.
لهذا السبب تم النظر إلى اجتماعات اللجنة التحضيرية لانعقاد المجلس الوطني بأنها خطوة هامة باتجاه القطع مع الانقسام وتداعياته وباتجاه تنفيذ قرارات الحوارات الوطنية الشاملة وقرارات المجلس المركزي الفلسطيني والتقدم نحو عقد مجلس وطني فلسطيني موحد يعيد الاعتبار إلى البرنامج الوطني التحرري الذي تخشى دولة الاحتلال أن يعود موجهاً للعمل الوطني الفلسطيني. نجاح ذلك يحتاج القدرة والإرادة السياسية على تجاوز السياسات الضيقة والحسابات المصلحية الفئوية لصالح المصلحة الوطنية العليا وتظهير القواسم الوطنية المشتركة وإعادة الاعتبار للشراكة الوطنية تحت عنوان «شركاء في الدم.. شركاء في القرار وتنفيذه». وأمام الفلسطينيين الآن فرصة ينبغي ألا تضيع لأن ذلك يعني المزيد من التردي في الوضع الفلسطيني..
وهذا ما يعتاش عليه الاحتلال.