- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

قراءة في قرار الجمعية العامة بترقية «مركز فلسطين في الأمم المتحدة»

زياد جرغون – نظمها «أشد» بالتعاون مع «ملف»
ورشة بعنوان: «عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة»
شهدت مدينة غزة مطلع آذار (مارس) الجاري ورشة بحثية، دعا لها إتحاد الشباب الديمقراطي الفلسطيني (أشد) بالتعاون مع «المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات» (ملف)، بعنوان «عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة»، شارك فيها عدد من الباحثين والمفكرين والناشطين سياسياً، ومن بينهم أعضاء في المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
في العدد الماضي من «الحرية»، نشرنا ورقة قدمها الرفيق صالح ناصر، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية ، عضو المجلس الوطني الفلسطيني بعنوان «المدلول السياسي للتصويت على منح فلسطين مركز دولة عضو لها صفة المراقب في الأمم المتحدة» ، كما نشرنا دراسة بينت «اتجاهات التصويت» على منح فلسطين مركز دولة عضو لها صفة المراقب في الأمم المتحدة، أعدها وقدمها المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات» (ملف).
في هذا العدد نواصل نشر المزيد من الأوراق التي قدمت للورشة، وهي « في قرار الجمعية العامة بترقية مركز فلسطين في الأمم المتحدة»، قدمها الرفيق زياد جرغون، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، وبحث عن «الوكالات المتخصصة في الأمم المتحدة» إعداد وتقديم «المركز الفلسطيني للتوثيق والمعلومات»(ملف).
«الحرية»
قراءة في قرار الجمعية العامة بترقية«مركز فلسطين في الأمم المتحدة»
زياد جرغون
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
(1)
في 14/10 و22/11/1974 وبموجب القرارين 3210 (د ـ 29) و 3227 (د ـ 29)، دُعيت منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها ممثل الشعب إلى المشاركة في مداولات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومُنحت مركز مراقب.
في 15/12/1988 وبموجب القرار 43/177 إعترفت الجمعية العامة، في جملة أمور، بإعلان دولة فلسطين الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني(15/11/1988)، وقررت أن يُستعمل إسم «فلسطين» بديلاً من اسم «منظمة التحرير الفلسطينية» في منظومة الأمم المتحدة، دون المساس بمركز المراقب لمنظمة التحرير ووظائفها في منظمة الأمم المتحدة.
في 7/7/1988 وبموجب القرار 52/250 قررت الجمعية العامة أن تمنح فلسطين، بوصفها مراقباً، حقوقاً وإمتيازات إضافية للمشاركة في دورات الجمعية العامة أو هيئات الأمم المتحدة الأخرى، وكذلك في مؤتمرات الأمم المتحدة.
في 29/11/2012، وإنطلاقاً من هذه المحطات وتطويراً نوعياً لقراراتها، صدر القرار 67/19 حول «مركز فلسطين في الأمم المتحدة» الذي بموجبه قررت الجمعية العامة «أن تمنح فلسطين مركز دولة غير عضو لها صفة مراقب في الأمم المتحدة..» (الفقرة 2).
على خلفية هذا المسار الممتد من إكتساب منظمة التحرير (كحركة تحرر وطني وكممثل لشعب فلسطين) إلى .. منح فلسطين مركز دولة غير عضو لها صفة مراقب؛ بماذا تتمثل أهمية القرار الأخير؟ هذا ما سنسعى ـ فيما يلي ـ إلى تسليط الضوء على بعض أهم جوانبه..
(2)
بداية تجدر الإشارة إلى أن ترقية مركز فلسطين إلى «دولة غير عضو»، لا تمس بتاتاً المكانة السياسية والقانونية لمنظمة التحرير، بما في ذلك صفتها التمثيلية للشعب الفلسطيني والقرارات(1) المتصلة بحقوقه، فالقرار 67/19 قد اتخذ نصاً «دون المساس بحقوق م.ت.ف المكتسبة وإمتيازاتها ودورها في الأمم المتحدة بصفتها ممثل الشعب الفلسطيني، وفقاً للقرارات ذات الصلة بالموضوع والممارسة المعمول بها في هذا الشأن»؛
تماماً كما أن قرار إستخدام إسم «فلسطين» بدلاً من إسم م.ت.ف قد أُتخذ في العام 1988 «دون المساس بمركز المراقب لـ م.ت.ف ووظائفها في منظمة الأمم المتحدة».
أبعد من هذا، فإن القرار 67/19 يؤكد على الربط المؤسسي بين م.ت.ف ودولة فلسطين عندما «يضع في إعتبار الجمعية العامة أن اللجنة التنفيذية لـ م.ت.ف أنيطت بها، وفقاً لقرار المجلس الوطني الفلسطيني، سلطات ومسؤوليات الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين».
بالتخصيص لا بد من الإشارة إلى أن إكتساب صفة المراقب لدولة فلسطين لا يمس بموقع قضية اللاجئين، حيث أتت ديباجة القرار على تأكيد «.. حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على نحو عادل وفقاً للقرار 194 (د ــ 3)..». وإن كنا نفضل لو أن القرار أتى على ذكر حق العودة بشكل واضح وصريح، باعتباره يشكل المنحى العام لتفسير القرار 194 وتطبيقاته، وإن كنا، في الوقت نفسه نفضل إسقاط توصيف «على نحو عادل» باعتبار أن القرار 194 لا يحتاج إلى إضافة تعرض «العودة إلى الديار والممتلكات»؛ التي يكفلها التفسير القانوني المعتمد من قبل الأمم المتحدة لهذا القرار، إلى مخاطر الانكماش إلى حدود رمزية (أي إلى ما يسمى بـ «لم الشمل» أو «التعويض العادل»)، خاصة أنه لم يقف وراء «العودة إلى الديار» موقف تفاوضي فلسطيني صلب، ليس من باب التجني بشيء القول بأن بوادره لم تظهر حتى اللحظة. فضلاً عن ذلك فإن الصيغة المعتمدة في القرار تفتح الباب أمام التأويلات والتفسيرات في ظل إختلال موازين القوى، وبما يتناقض مع «حق العودة إلى الديار والممتلكات» أو ينتقص منه.
بشكل عام، فإن قرار ترقية مركز فلسطين يستعيد ويؤكد بلغة شديدة الوضوح على عناصر الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني «إعمالاً لمبدأ المساواة في الحقوق بين الشعوب وحقها في تقرير المصير إسترشاداً بمقاصد ميثاق الأمم المتحدة ومبادئه ومنها مبدأ عدم جواز الإستيلاء وعلى الأراضي بالقوة، وصون السلام الدولي وتوطيد أركانه على أساس الحرية والمساواة والعدل وإحترام حقوق الإنسان الأساسية، وإنطباق إتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين وقت الحرب على الأرض الفلسطيني المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، بما يشمل مسألة السجناء، وعدم الإعتراف بضم القدس الشرقية، ووقف جميع أنشطة الإستيطان الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وقفاً تاماً… هذا مع التأكيد على فتوى محكمة العدل الدولية (2004).. ».
القرار 67/19 يصون موقع القرارات الملبية للحقوق الوطنية الصادرة عن منظومة الأمم المتحدة، وهو يحصِّن هذه القرارات بمواجهة القوى المناوئة في سياق دفاعه عن تلك الحقوق، لا بل يتقدم على هذا الدرب عندما يعترف بالعضوية المراقبة لدولة فلسطين في إطار التأكيد على سائر الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف لشعب فلسطين. إن قرار الأمم المتحدة لا يُحِّل حقاً بإختزال أيٍ من سائر الحقوق، بل يضيف ويزيد على منظمة الحقوق المقرة والمعترف بها، مشيراً إلى إلتزامه بما هو أبعد، أي العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.
(3)
1ـ التصويت على عضوية الدول في الأمم المتحدة ميدانه هو الجمعية العامة ضمن إحدى آليتين: تقديم الطلب مباشرة إلى الجمعية العامة الذي يقود إلى إكتساب العضوية المراقبة، أو تقديم الطلب بواسطة مجلس الأمن الذي يقود إلى مركز الدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة.
تفترض الآلية الثانية، بدورها، إجتياز محطتين بالتتابع: الأولى تتمثل بالحصول ليس اقل من موافقة 9 من أعضاء مجلس الأمن ذات الإختصاص، أي المعنية بقبول الأعضاء الجدد، والثانية تقع في إمتداد الأولى وتتمثل بموافقة مجلس الأمن بأغلبية الثلثين على هذا الطلب (أي 9 من اصل 15 دولة) شرط ألا تعترض عليه إحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة فيه التي تملك حق النفض (الفيتو).
في هذا المضمار، إذا، تتحدد الصلاحية القانونية للجمعية العامة وحدها على يد الآلية المتبعة في تقديم الطلب، وهي إجرائية بالشكل، لكنها سياسية بالمضمون، وهو ما يفسر فشل م.ت.ف في العام 2011 بالحصول على موافقة الأكثرية المطلوبة في لجنة مجلس الأمن ذات الإختصاص.
2ـ في هذا الإطار، ما يستأثر بالإهتمام هو صياغة قرار الجمعية العامة بالعضوية المراقبة لدولة فلسطين بأسلوب يبرز إستحقاق هذه الدولة للعضوية الكاملة؛ وهذا ما يتبدى من خلال:
الإشارات المتعددة لقرارات سابقة للجمعية العامة تؤكد بصيغ مختلفة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والدولة المستقلة والسيادة على أرضه.. هذه الإشارات ترد 4 مرات في ديباجة القرار، كما ترد في الفقرات1 و 4 و 6 من القرار.
«الترحيب بالتقييمات الإيجابية الصادرة عن البنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي بشأن الإستعداد لمركز الدولة ومفادها أن السلطة الفلسطينية لديها من مقومات إقامة دولة قادرة على أداء مهامها ما يتجاوز الحد المطلوب في القطاعات الرئيسية التي شملها البحث».
الإقرار بأن فلسطين تتمتع بعضوية كاملة في اليونسكو والإسكوا ومجموعة دول آسيا والمحيط الهادئ، وجامعة الدول العربية وحركة بلدان عدم الإنحياز ومنظمة التعاون الإسلامي، ومجموعة الـ77 والصين.
الإقرار أيضاً بأن دولة فلسطين قد حظيت باعتراف دولة عضواً في الأمم المتحدة حتى لحظة إتخاذ القرار.
3ـ إن توافر هذه الإشارات يؤكد بوضوح إنحياز قرار العضوية المراقبة إلى خيار العضوية الكاملة في الأمم المتحدة؛ وأي وضوح أسطع من الفقرة 3 للقرار المذكور التي لم تملك باسم الجمعية العامة سوى «الإعراب عن الأمل في أن يستجيب مجلس الأمن للطلب الذي قدمته دولة فلسطين (لاحظ: دولة فلسطين، وليس فلسطين، أو منظمة التحرير..) في 23/9/2011 من أجل الحصول على عضوية كاملة في الأمم المتحدة»,
4ـ على ما ذكر من إيجابيات في الفقرات السابقة، نجدد التحفظ الذي تبديه في العادة أدبيات الجبهة الديمقراطية على إستخدام تعبير (contiguous)(2) في الفقرة 4 من القرار بصيغته الإنجليزية، الذي ينطوي على دلالة الإتصال بين مختلف مناطق الدولة الفلسطينية بوسائط البنية التحتية (أنفاق، جسور، كوريدورات..) كما وردت في مقترحات أريئيل شارون للحل الدائم تيسيراً لضم الكتل الإستيطانية وبما يضمن تواصلها فيما بينها ومع أراضي الـ48، بعد تمزيق أراضي الدولة الفلسطينية إرباً.
وبالمقابل، فإن تعبير (continuous) (3) الذي نطالب باستخدامه، فهو يخدم بشكل أفضل غرض الدولة الفلسطينية ذات الوحدة الجغرافية المصونة في الضفة الفلسطينية، بعيداً عن صيغة مناطق «جلد الفهد» أو «الجبنة السويسرية» التي تتردد في الأدبيات الإسرائيلية (4).
(4)
إلى ما جرى تناوله من مكاسب للحقوق الوطنية، ثمة مزايا سياسية أخرى لقرار الجمعية العامة 67/19 تتمثل بفتح مسار العضوية لدولة فلسطين في 21 وكالة متخصصة للأمم المتحدة (نالت فلسطين العضوية في إحداها عام 2011، وهي منظمة اليونسكو)، كما والإنضمام إلى 44 إتفاقية دولية تتوزع على 10 عناوين رئيسة ما بين إتفاقية وبروتوكول ومعاهدة وميثاق:
1ـ تأمين الحماية الدولية للشعب الفلسطيني؛ 2ـ منظمة العدل الدولية؛ 3ـ العلاقات والحصانة
الدبلوماسية؛ 4ـ حقوق المرأة والطفل وذوي الإعاقة؛ 5ـ الفصل العنصري؛ 6ـ مناهضة التعذيب وغيره؛ 7ـ الحقوق المدنية وغيرها ومكانة اللاجئين؛ 8ـ إتفاقيات حظر أو تقييد إستخدام الأسلحة؛ 9ـ إتفاقيات مدنية؛ 10ـ قضايا البيئة.
إن عضوية وكالات الأمم المتحدة المختصة والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية، إذ يؤكد إلتزام دولة فلسطين بالمواثيق والقوانين الدولية والديمقراطية والحريات الخاصة والعامة وحقوق الفئات الاجتماعية المغبونة والمعرضة للتمييز.. سوف يقود إلى مزيد من التعزيز لمكانة دولة فلسطين دوليا، كما وإلى توسيع دائرة الاعتراف بها وبسائر حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية الثابتة غير قابلة للتصرف؛ وبالمقابل، فإنه سيؤدي إلى فرض عزلة متزايدة على إسرائيل كدولة احتلال استيطاني وتمييز عنصري وانتهاك متمادٍ للاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان وللقانون الدولي الإنساني وللقانون الجنائي الدولي وسائر الاتفاقيات الدولية ذات الصلة، ما يسهم بتأمين حماية دولية أفضل لحقوق اللاجئين ولشعبنا الرازح تحت الإحتلال.
هوامش
(1) سواء قرارات الجمعية العامة أم مجلس الأمن:
قرارات الجمعية العامة: بدءاً بالقرار 181 (1947) والقرار 194 (1948)… مروراً بالقرارات: 2625 «د ـ 25» (1970)، و 3236 «د ـ 29» (1974)، و 3210 «د ـ 29» (1974)، و3237 «د ـ 29» (1974)، و43/ 17 (1988)، و43/177 (1988)، و52/ 250 (1998)… وإنتهاء بالقرارات 58/292 (2004)، و 66/17 (2011)، و66/18 (2011)، و66/147 (2011).
قرارات مجلس الأمن: بدءاً بالقرار: 242 (1967) و 338 (1973).. مروراً بالقرارين: 446 (1979)، و 478 (1980)… وإنتهاءً بالقرارات 1397 (2002)، و1515 (2003)، و1850 (2008.)
(2) في الترجمة العربية: متماسة، متلاصقة، متصلة..
(3) في الترجمة العربية: متواصلة.
في السياق من المفيد التذكير بأنه سبق للرئيس جورج بوش الإبن استخدام تعبير (continuous)، ومن ثم تراجع عنه بعد احتجاج الحكومة الإسرائيلية.
(4) راجع بالنسبة لهذا الموضوع بكامله الصفحات 55، 153، 161، 171 و195 من كتاب «خارطة الطريق إلى أين؟» ، الصادر عن دار التقدم العربي. ط1: نيسان (أبريل) 2004.