- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

الأوضاع الصحية في سجون الاحتلال الإسرائيلي تنتهك قواعد القانون الدولي الإنساني.. بقلم – حلمي الاعرج

الأوضاع الصحية التي يعيشها الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال الإسرائيلي لا تعبر عن أدنى احترام من قبل مصلحة السجون الإسرائيلية لحقوق الإنسان أو أدنى التزام بالقانون الدولي الإنساني بل تشكل انتهاكا صارخا لما تضمنته أحكامه وقواعده من تأكيدات على ضرورة توفير ظروف اعتقال لائقة ورعاية صحية مناسبة.

ويستدل على ذلك من سلسلة الإجراءات المتبعة من قبل مصلحة السجون تجاه الأسرى والنابعة من  سياسة مدروسة وممنهجة تهدف للنيل من إرادة الأسرى وإضعاف عزيمتهم ومعنوياتهم. فالاكتظاظ وسوء التهوية وقلة التعرض للشمس ومحدودية وقت الفسحة وسوء التغذية وتعريض الأسرى للإشعاعات وقلة مواد التنظيف وعدم إجراء الفحوصات الطبية الدورية والضغط النفسي والجسدي والقهر والكبت والتنكيل وتعريضهم للضرب والتفتيش العاري والإمعان في العزل والرش بالغاز الخانق والحرمان من زيارات الأهل كلها عوامل تؤدي إلى تفاقم الأوضاع الصحية والنفسية للأسرى وتزيد من احتمالات إصابتهم بأمراض مختلفة بالإمكان تلافيها لو توفرت لهم الظروف الصحية والاعتقالية الملائمة.

لقد أدت سياسة الإهمال الطبي إلى وفاة 58 أسيراً داخل السجون، أربعة منهم توفوا خلال العام 2013 وهم أشرف أبو ذريع، عرفات جرادات، ميسره أبو حمدية وحسن ترابي، يضاف إلى ذلك وفاة العشرات من الأسرى بعد الإفراج عنهم على خلفية الأمراض التي عانوا منها وهم في الأسر منهم وليد شعث الذي أمضى ثمانية عشر عاماً وتوفي بعد ستة أشهر من الإفراج عنه، وسيطان الولي الذي أمضى 23 عاماً وتوفي بعد أقل من ثلاث سنوات من الإفراج عنه  وزكريا عيسى، زهير لبادة، سعيد شملخ، جميل أبو اسنينه، عاطف أبو بكر، أمجد علاونه، مسلم الدودي، موسى جمعه، عدنان البلبول، زياد حامد، عايد جمجوم وغيرهم العشرات.

ويؤكد هذا بوضوح مدى استهتار مصلحة السجون الإسرائيلية وطواقمها الطبية بحقوق الأسير الفلسطيني وانتهاكها لأحكام القانون الدولي الإنساني وإمعانها في حرمان الأسرى المرضى من الحقوق التي منحتها لهم الصكوك الدولية خاصة القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء لعام 1957 الصادرة عن الامم المتحدة، حيث نصت المادتين 22 و 25 منها على ضرورة توفير طبيب على الأقل مؤهل لكل سجن ويكون على معرفة معقولة بالطب النفسي وأن يكون مكلفاً بمقابلة يومية لجميع السجناء المرضى. فيما أكدت المادة 30 من اتفاقية جنيف الثالثة بشأن أسرى الحرب لعام 1949 الحاجة لتوفير عيادة طبية في كل مركز احتجاز وعنابر لعزل المصابين بأمراض معدية أو عقلية، وضرورة نقل الأسرى المصابين بأمراض خطيرة أو الذين يحتاجون عمليات جراحية أو رعاية بالمشفى إلى وحدة طبية عسكرية أو مدنية لتلقي العلاج المناسب، والمادة 3 من الاتفاقية ذاتها التي تنص على أن العلاج يشمل الأسنان والتركيبات الاصطناعية والنظارات على  أن تكون تكلفتها على عاتق الدولة الحاجزة.

وبخصوص المتطلبات الصحية والوصول إلى الأطباء فقد أشارت اتفاقية جنيف الرابعة (المادة 85) واتفاقية جنيف الثالثة (المادة 29) والقواعد النموذجية الدنيا (المادة 26) إلى أهمية توفير مرافق صحية تستوفى فيها الشروط الصحية وتراعى فيها النظافة الدائمة. وتفرض اتفاقية جنيف الثالثة (المادة 30) عرض الأسرى على الأطباء والحصول على تقرير طبي يبين طبيعة الأمراض والإصابة ومدة ونوع العلاج، وتفضل نفس المادة أن يعالج الأسرى أطباء من جنسيتهم أو يتبعون للدولة التي يتبع لها الأسرى.

لكن سياسة مصلحة السجون لا تراعي هذه الأحكام القانونية ولا توفر الحد الأدنى من شروط وظروف الاعتقال الملائمة والإنسانية، فالعيادات تفتقر لأطباء مختصين وأدوات وأجهزة طبية. والجدير ذكره أن عيادة سجن الرملة وهو المكان الوحيد فضلاً عن المماطلة والتسويف في إجراء العمليات الجراحية اللازمة ورحلة العذاب التي يلاقيها الأسرى المرضى أثناء نقلهم في البوسطة والتي تزيد من معاناتهم ولا تراعي خصوصية ظروفهم وحالاتهم المرضية. والأنكى من ذلك تعرض الأسرى فيها للمضايقات والإقتحامات والتفتيشات الليلية مما يجعلهم يفضلون البقاء في أماكنهم على الانتقال إلى عيادة سجن الرملة لإجراء الفحوصات الطبية أو الإقامة فيها.

وتأكيداً على ما ذكر أعلاه، نورد ما نشرته صحيفة يدعوت أحرونوت في عددها الصادر بتاريخ 06/12/2013 بشأن معاناة الأسرى المرضى الفلسطينيين والسجناء الجنائيين الإسرائيليين والانتهاك الفظ لحقوقهم  وإنسانيتهم في مختلف السجون وفي معبار الرملة على وجه الخصوص، وكيف يفقدون حياتهم دون اكتراث من قبل الجهات المختصة.

هذا الواقع يفسر الزيادة الملحوظة في عدد الأسرى المرضى وتسارع وتيرة تردي الوضع الصحي للحالات المرضية المستعصية التي يتهددها خطر الموت، إلى أن أصبح ملف الأسرى المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي يقلق مجتمع الأسرى بكامله ويحتل مكان الصدارة في الأولويات النضالية لهم ولعائلاتهم وذويهم ولكل مكونات المجتمع الفلسطيني خاصة المستوى السياسي ووزارة شؤون الأسرى والمؤسسات الحقوقية العاملة في هذا المجال.

فقد بلغ عدد الأسرى والأسيرات المرضى أكثر من 800 أسيراً بينهم 187 أسيراً يعانون من أمراض مزمنة منهم 25 مصابين بالسرطان، خمسة منهم يعانون من الشلل النصفي يتنقلون على كراسي متحركة، العشرات يعانون من بتر أحد الأطراف، 24 أسيراً يعانون من أمراض نفسية وعصبية والبقية منهم يعاني من أمراض القلب والفشل الكلوي والتهاب الكبد الوبائي وهشاشة العظام والضغط والسكري. ومن أبرز الأسرى المرضى الذين يعانون من أمراض خطيرة معتصم رداد، منصور موقده، يسري المصري، علاء الهمص، خالد الشاويش، ناهض الأقرع، رياض العمور، محمد براش، فواز بعاره، إبراهيم علقم، يوسف نواجعه، عماد عصفور، ابراهيم البيطار،مراد أبو معيلق، فؤاد الشوبكي، عادل حريبات، سامي عريدي، ثائر حلاحله، نبيل النتشه، لينا الجربوني.

إن الجهود المضنية والمتواصلة التي بذلتها المؤسسات الحقوقية المحلية والأقليمية والدولية والحملات الإعلامية والجماهيرية والقانونية، والتي قامت بها للضغط على مصلحة السجون والحكومة الإسرائيلية لإنقاذ حياة الأسرى المرضى والإفراج عن الحالات المرضية الأكثر خطورة، قد نجحت في إطلاق سراح عدد منهم من بينهم ياسر رجوب، وزكريا عيسى الذي استشهد لاحقاً جراء إصابته بمرض السرطان، والأسير محمد التاج المصاب بتليف الرئتين وهو يعالج الآن في النمسا، ونعيم الشوامرة المصاب بمرض ضمور العضلات.

وهذا يعني أن مزيداً من الفعل الجماهيري والتحرك القانوني والسياسي من قبل المؤسسات والسلطة الوطنية والمفاوض الفلسطيني والضغط الدولي الجاد والفعال في سياق تحميل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية الكاملة عن حياة الأسرى المرضى من شأنه انتزاع حرية الحالات المرضية الحرجة كخطوة أولى على طريق تحرير كل الأسرى المرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة، وهي المهمة الأساسية والأولى التي تقع على عاتقنا جميعاً وقبل فوات الأوان.

في سياق كل ذلك أصبح من الضرورة بمكان التركيز على قضية الأسرى المرضى لخصوصيتها وخطورتها وإلحاحيتها في ظل المعاناة اليومية التي يعيشونها بسبب سياسة الإهمال الطبي الممارسة بحقهم والتي تنتهك بشكل فظ ومتعمد كافة المواثيق والاتفاقيات الدولية التي كفلت لهم الرعاية الطبية اللازمة ونصت على ضرورة إطلاق سراح الحالات المرضية المزمنة كما جاء في متن المواد ( 109، 110، 112، 113 ) من اتفاقية جنيف الثالثة والبروتوكول الإضافي الأول  لعام 1977 وهو الأمر الذي ينطبق على عشرات الأسرى المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي.

فهؤلاء الأسرى الذين يعيشون لحظات الألم اليومي ويعانون سكرات الموت يناشدون المجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان في العالم لينتصروا لقضيتهم ويفعلوا شيئاً من أجلهم، ورغم الأهمية الاستثنائية لقرار منظمة الصحة العالمية الصادر في 20 أيار 2010 والذي سلط الضوء على قضية الأسرى المرضى في سجون الاحتلال الإسرائيلي ومعاناتهم اليومية وطالب اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتشكيل لجنة تقصي حقائق للإطلاع عن كثب على أوضاع الأسرى المرضى ومطالبته الحكومة الإسرائيلية تقديم العلاج اللازم لهم والإفراج عن الحالات المستعصية، إلا أن هذا القرار لم يجد طريقه للتنفيذ الأمر الذي يحتاج إلى تضافر الجهود وتكاملها بين المؤسسات الفلسطينية للقيام بحملة دولية للضغط على الحكومة الإسرائيلية للالتزام بحيثيات القرار وتنفيذ ما جاء به كخطوة في غاية الضرورة على طريق إنقاذ حياة الأسرى المرضى. فبدون هذا الجهد الجماعي والمتواصل ستستمر معاناتهم وستقتصر مهمتنا الوطنية والحقوقية على عمليات التشخيص والشجب والإدانة في وقت نمتلك فيه الكثير من الأدوات والآليات القانونية التي من شأنها الضغط على الحكومة الإسرائيلية لإرغامها على التعامل مع هذه القضية وفق أحكام القانون الدولي الإنساني، مما يستدعي تفعيل دور المؤسسات الحقوقية والطبية الأهلية والرسمية لمساندة الأسرى المرضى وتسليحها بخطة وطنية ملموسة والقيام بحملة وطنية ودولية من أجل:-

1. العمل مع المفاوض والمستوى السياسي الفلسطيني للإفراج عن الحالات المرضية الحرجة قبل فوات الأوان وتحميل الحكومة الإسرائيلية المسؤولية عن حياتهم.

2. ملاحقة الجهات الإسرائيلية المختصة والمسئولة عن وفاة الأسرى المرضى وسياسة الإهمال الطبي وعن حياة أولئك الذين ترفض هذه الجهات الإفراج عنهم رغم تردي وضعهم الصحي ومعرفتها اليقينية بالخطورة الفائقة لحالتهم.

3. الضغط لتمكين منظمة الصحة العالمية من تنفيذ قرارها بشأن تحسين الظروف الصحية والمعيشية للأسرى والمعتقلين، وتشكيل لجنة تقصي حقائق لهذا الغرض وزيارة السجون الإسرائيلية.

4.   تمكين لجان طبية متخصصة من مقابلة الأسرى المرضى لتقديم العلاج المناسب لهم.

5. فتح أبواب السجون أمام الوفود والمؤسسات الدولية ولجان تقصي الحقائق للاطلاع على الظروف الاعتقالية والأوضاع الصحية.

6.   توفير ظروف اعتقالية منسجمة والمعايير الدولية ذات العلاقة.

7.   توفير العلاج المناسب للأسرى المرضى للتخفيف من معاناتهم.

8. تأمين المساعدة القانونية للأسرى المرضى وتعزيز دور المحامين في هذا الجانب من خلال الحصول على الملفات الطبية وتقارير الأطباء ذوي الاختصاص حول الحالة الصحية للأسرى المرضى.

9. إطلاق حملات دولية لإطلاع المجتمع الدولي على معاناة الأسرى المرضى والعمل على إطلاق سراح الحالات المرضية التي تعاني من أمراض خطيرة.