- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

الباص السريع وخسائر البلد.. بقلم – د. يوسف منصور

قبل أن تبدأ أمانة عمان بمشروع الباص السريع بدأت به البرازيل عام 1974 وتبعها 120 دولة ومدينة في العالم، غير ان الأمانة لم تقتنع بتجربة الآخرين فقط فقامت بدراسة ميدانية استفتائية سألت فيها 10000 أسرة في عمان، أي 60000 أردني وأردنية، عن أنماط دخلهم واستهلاكهم، ووجدت الدراسة أن دخل 30- 40 % من هذه الأسر لا يتجاوز 300 دينار في الشهر، وأن الفقراء ينفقون 30 % من دخلهم ليصلوا الى مواقع عملهم، وأن متوسط وقت الانتظار لحافلة الباص في عمان يتراوح بين 30 إلى 40 دقيقة للرحلة الواحدة بسبب عدم انتظام الرحلات، مما يعني أن الذي يستخدم المواصلات العامة يعمل ساعة أطول من غيره، ويعني أيضا أن المجتمع يعاقب الفقير لأنه يذهب للعمل، كما أن متوسط عدد السيارات سيارة لكل أسرة أي 1.1 مليون سيارة تتزايد بسرعة أعلى من سرعة نمو السكان لأن الأردن بلد شاب، رغم أن ثمن السيارة في الأردن أكثر من 250 % من سعرها في بلدها نتيجة الجمارك والرسوم.

ولأن الأردني مضطر لشراء سيارة فإنه يجمد عشرات آلاف الدنانير ويبيع عقاره أو يستهلك مدخراته ليس في بيت أو مشروع استثماري بل في شراء سيارة يصنعها الغير فيجبره عدم توفر المواصلات العامة على تشغيل البريطاني والألماني والكوري والياباني وليس الأردني الذي يعاني من معدل بطالة 14 % حسب المصادر الرسمية.

كما ينفق الأردن ثلث فاتورة استيراد الطاقة على المواصلات من خلال الديزل والبنزين، وحين ترتفع اسعار النفط يجد الأردن ذاته، حكومة وشعبا، أمام مآزق منها غلاء الأسعار وارتفاع كلف الإنتاج، والحاجة للمزيد من العملة الصعبة نتيجة تنامي عجز الميزان التجاري والضغط الناجم على ميزان المدفوعات والتعطل عن العمل، فعلى سبيل المثال، نتيجة قرار الحكومة الخطأ مؤخرا برفع أسعار الطاقة على الصناعة أغلقت 1100 مؤسسة صناعية ابوابها، وسرحت 23000 عامل، أي عشر القوة العاملة في الصناعة ليتضرر بذلك، أكثر من 100000 أردني يقتات من العمل في الصناعة، وتضررت الحكومة ذاتها مع تقليص انفاق ودخل هؤلاء فخسرت ما كـانت ستحـصله من ضرائب دخل ومبيعات مع تراجع دخل وإنفاق 1.7 % من الأردنيين.

والتوجه الى الباص السريع بدلا من الترام جاء لأن الثاني أغلى بكثير فهو يكلف خمسة أضعاف الباص السريع، ولأنه يوفر من فاتورة الطاقة والوقت المبذول في الترحال استدانت الأمانة من منظمة التنمية الفرنسية 166 مليون دولار لتمويل المشروع بأسعار فائدة تقل عن سعر أي قرض حصلت عليه الحكومة منذ 2004 وحتى الآن. وهنا أنوه أنه لو كان هنالك أي خلل فني أو تمويلي أو أي شبهة فساد من خلال تصاميم وطروحات العطاءات لما مولت هذه المؤسسة الفرنسية الحكومية المشروع لجهة غير حكومية “الأمانة” ولما منحت الأردن أول قرض غير سيادي “غير حكومي”، فهذه المنظمة مثلها مثل الصندوق والبنك الدوليين تتبع أقسى وأدق المعايير، وقد كان يكفي لنا كشهادة حسـن سلوك للمشروع موافقة هـذه المــؤسسة عليه ومنـحه القرض فنعلم ونتأكد أن لا غبار على مشروع الباص السريع.

لكن المشروع توقف، ولسنين الآن، بقرار بعضهم ووقع تحت شبه فساد، واتهم القائمون عليه جزافا، وعانوا مما عانوا منه، والآن وقد عادت الحكومة والأمانة كليا الى المشروع، يجب أن نتساءل: ترى من سيدفع لفقراء الأردن ولاقتصادنا الكلي ثمن هذا التأخير؟ أو ليس استخدام السلطة للإضرار بمصلحة البلد نوعا من الفساد؟ أنا أعلن هنا كاقتصادي أنني على استعداد لحساب تكاليف هذا التأخير ونشر الدراسة ولكن سأقوم بذلك فقط حين يقرر الأردن أن يحاسب من أضروا بالبلد وأخروا تنميته وهدروا قوت ابنائه.