- الأهالي - www.hashd-ahali.org.jo -

من “الذاتي” إلى “المؤقت” وبالعكس.. بقلم – عوني صادق

في كلمته التي ألقاها في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 25/9/،2013 قال الرئيس محمود عباس: “نؤكد أننا نرفض الدخول في دوامة اتفاق مؤقت جديد يتم تأبيده، الدولة ذات الحدود المؤقتة، أو الانخراط في ترتيبات انتقالية تصبح قاعدة ثابتة بدل أن تكون استثناء طارئاً” . وأضاف: “هدفنا هو التوصل إلى اتفاق دائم وشامل ومعاهدة سلام بين دولتي فلسطين و”إسرائيل” تعالج جميع القضايا وتجيب عن كل الأسئلة وتغلق كل الملفات، ما يتيح أن نعلن رسمياً نهاية النزاع وكل المطالبات” .
لقد بات معروفاً أن “اتفاق أوسلو” الذي تم التوقيع عليه في 13/9/،1993 نصّ على إقامة “حكم ذاتي محدود”، وأنه في الوقت نفسه كان “اتفاقاً مؤقتاً” تنتهي المرحلة الأولى منه بعد ثلاث سنوات من بدء سريانه، حيث تؤدي إلى قيام “دولة فلسطينية” في المناطق المحتلة عام ،1967 بما في ذلك القدس الشرقية، من خلال المفاوضات . كما باتت معروفة تداعيات حادث اغتيال رئيس الوزراء صاحب الاتفاق، إسحق رابين، والتطورات التي أدت إلى مجيئ بنيامين نتنياهو ليحتل مكتبه، ثم ما تبع ذلك من تطورات تلت وأدت إلى فشل المفاوضات التي جرت حتى سبتمبر/ أيلول ،2001 ما أدى إلى اندلاع انتفاضة الأقصى حتى “عملية السور الواقي”، التي ألغت عملياً “اتفاق أوسلو” وأعادت احتلال الضفة الغربية على يد الجنرال أرييل شارون .
وقد قيل الكثير في ذلك، وعزا الكثيرون فشل المفاوضات إلى مقتل إسحق رابين . وهناك مَن يعتقد حتى اليوم، أنه لو لم يقتل رابين لنجحت المفاوضات، ولتم تنفيذ الاتفاق وقامت “الدولة الفلسطينية”! ولأن أحداً لا يستطيع أن يجزم بما كان ستكون عليه مواقف وسياسة رجل ميت بعد موته، إلا أن الحقيقة، لمن يتمعن في نصوص “اتفاق أوسلو”، يمكن أن تكون مقنعة بأن إسحق رابين لم يكن ليسلك سلوكاً غير سلوك شارون في مرحلة معينة من مفاوضات تنفيذ الاتفاق . ذلك لأن السياسة “الإسرائيلية” التي رسم خطوطها العريضة بن غوريون، لم تكن تقبل بقيام “دولة فلسطينية مستقلة” منذ ما قبل قيام “دولة إسرائيل”، وظلت، وسار على خطاه كل رؤساء الوزراء الذين جاؤوا بعده . ولعله ينفع دليلاً على هذا الزعم، ما كانت عليه مواقف مناحيم بيغن في مفاوضاته مع أنور السادات، قبل التوقيع على “اتفاق كامب ديفيد” الذي نص في شقه الفلسطيني على “حكم ذاتي محدود” .
وكذلك نذكر من نسي، أن ما يتمسك به نتنياهو اليوم من حدود وترتيبات أمنية، هي طبق الأصل عما وضعه لها زعيم يساريي “حزب العمل”، إيغال آلون، فيما يطلقون عليه “مشروع آلون” .
وكانت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، وقبل أن يلقي الرئيس عباس كلمته في الجمعية العامة للأمم المتحدة، قد نقلت عن مسؤول فلسطيني “رفيع المستوى”، أن “إسرائيل” عرضت على الوفد الفلسطيني المفاوض “دولة في حدود مؤقتة”، مع إبقاء المستوطنات والقواعد العسكرية في الضفة الغربية . لكن “المسؤول الفلسطيني” قال إن الفلسطينيين رفضوا العرض، خوفاً من أن يتحول المؤقت إلى دائم . بعد ذلك، وبتاريخ 29/10/،2013 قالت الإذاعة “الإسرائيلية” العامة، في تقرير لمراسلها جال بيرغر، إن “عباس خفف في الآونة الأخيرة من معارضته الشديدة لاقتراح الحل الانتقالي أو المرحلي المؤقت”، خلافاً للتصريحات التي صدرت مؤخراً عن مسؤولين مقربين منه . وقد نفى صائب عريقات، في تصريح له لجريدة “الأيام” الفلسطينية ما بثته الإذاعة “الإسرائيلية” من “مزاعم”، ووصفها بأنها “كلام فارغ وغير صحيح ولا أساس له من الصحة”! وكان مراسل الإذاعة “الإسرائيلية” “قد قال في تقريره: “الرئيس عباس، الذي كان يصْر على اتفاق دائم، يتضمن ملفي القدس واللاجئين، أبدى ليونة في هذا الموقف وبات لا يعارض إمكانية التوصل إلى اتفاق مؤقت” . وأضاف يقول: “على ما يبدو أن التباين في المواقف في ملفي القدس واللاجئين، اللذين يمنعان التقدم في المفاوضات الجارية، دفع عباس إلى التفكير في إمكانية الموافقة على اتفاق انتقالي في الطريق نحو اتفاق دائم مستقبلاً”، وأن مجموعة من المحيطين بالرئيس بدأوا مؤخراً البحث عن حل يتجاوز “عقبتي” التقدم في المفاوضات”!
من جانبه، نقل المراسل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت”، أليكس فيكشمان، أنه بسبب الهوة العميقة التي تفصل بين مواقف الطرفين، “الإسرائيلي” والفلسطيني، تحركت الإدارة الأمريكية لإعداد وثيقة تقرب وجهات النظر بين الطرفين وتقوم على أساس “تسوية مرحلية” جديدة مقرونة “بعناصر التسوية الدائمة في المستقبل” . لكن يوسي بيلين، أحد مهندسي “اتفاق أوسلو”، رأى أن الواقع الحالي “يحول دون تقديم الأمريكيين اقتراحات تقرب وجهات النظر للطرفين، بسبب أن الموقف “الإسرائيلي” حتى الآن ليس معروفاً” وقد نفى وزير الخارجية الأمريكية، جون كيري، أثناء زيارته الأخيرة لفلسطين المحتلة وجود أي خطة جديدة لدى إدارته .
ويستوقف المراقب وسط تلك الأخبار والتقارير، ما جاء على لسان نمر حماد مستشار الرئيس عباس، مؤخراً وبما له صلة بالموضوع، حيث قال: “إنه يعتقد أنه في حال التوصل إلى اتفاق بشأن الملفين الأساسيين، الحدود والأمن، فإنه يمكن تأجيل المفاوضات في ملف اللاجئين”!
وهكذا تستمر “الدوامة”، التي أشار إليها الرئيس محمود عباس في كلمته في الجمعية العامة، من الحكم الذاتي المحدود والمؤقت، إلى المؤقت الذي لا يفضي إلا إلى الحكم الذاتي، الدائم وغير المؤقت!!